قراءة في رواية «خلف السدة» للكبير عبد الله صخي

كاظم غيلان
أحداث العراق كوطن تعرّض العديد من طبقات شعبه المسحوقة لكوارث شتى بفعل سياسة القمع والإقصاء والتهميش لخّصها العديد من مذكرات زعماء وقادة سياسيين ومؤلفات مستشرقين بارزين.وبما أن الرواية تلخص الأحداث بما هو متسع يفوق الشعر بالكثير فقد ظهر العديد من الأعمال الروائية العراقية التي لخصت أحداثاً ووقائع كبيرة عبر حكايات أبطالها، لكن أهمية العمل تكمن بمدى مهارة صانعه – مؤلفه، ولنا في أعمال غائب طعمة فرمان خلاصة لوقائع حياة المدينة العراقية وبغداد تحديداً مثلما لنا في رباعية الفقيد شمران الياسري (أبو كاطع) خلاصة أخرى لوقائع حياة الريف العراقي، فضلاً عن عموده الصحفي الخالد (بصراحة أبو كاطع) الذي إتّخذ خلاله من شخصية (خلف الدواح) حاكياً ساخراً تهكمياً من السلطة الفاشية وممارسات مسؤوليها الذين جلّهم من أنصــاف المتعلمين.
ولكي لا ينفلت الذي ابتغيه عبر هذه الكتابة فمن الملاحظ أن رصد التحولات الاجتماعية المرتبطة بالبيئة الشعبية وطبقات أهلها المسحوقة لم يكن بذلك المستوى من الطموح على مستوى الكتابة الإبداعية إلا القليل.
رواية (خلف السدة) للصديق الروائي العراقي المغترب قسراً عبد الله صخي من أبرز الروايات التي لخصت حياة أبناء الجنوب الذين نزحوا للعاصمة العراقية بغداد وأسسوا لأنفسهم عراقاً مصغراً استمدوا فيه كل عاداتهم وطقوسهم التي توارثوها في الجنوب. ولعلها الرواية الأبرز من حيث تلخيصها لمجمل تفاصيل هذه الشرائح الشعبية حياة، وغناءاً، مكابرة وكفاحاً من أجل لقمة عيش شريفة مجيدة حتى التفاتة الزعيم الوطني الشهيد عبد الكريم قاسم يوم وزع عليهم سندات تمليك أراض بمساحات متواضعة تمكنوا من خلالها إنشاء بيوت لهم على شكل قطاعات. ولن يغفل صخي تسجيل وقفة الوفاء المشرفة يوم هبَّ هؤلاء الفقراء لنصرة زعيمهم المغدور صبيحة الانقلاب الذي استهدفه وأدخل العراق نفقاً مظلمـــا على مدى أكثر من ثلاثة عقـــود صبيحة الثامن من شبـــاط الأسود 1963.
من يقرأ هذه الرواية لا بدَّ أن يقتفي ألأثر الشعبي فيها حتى يصل لقناعة بأنها شعبية خالصة تقابل الأعمال الروائية العربية والعالمية العظيمة التي نحت ذات المنحى ولربما تقف قبالتها رواية السوداني الطيب صالح الشهيرة (موسم الهجرة إلى الشمال). ما حققه الروائي في عمله هذا عُدَّ سبقاً إذ كتب من بعده الصديقان كريم العراقي (الشاكرية) وشوقي كريم (الشروكيــــة) لكــــنَّ العملين لن يرتقيا لرواية (خلف السدة).
ليس ما تقدم كله يسجل للروائي هنا حسب إنما استحضاره لتلك المشاهد وتلخيصها بتفوق فني ومصداقية عالية وهو يعيش في أجواء عاصمة الضباب – لندن – إنه لأمر يستحــق الدراسة المستفيضة وفي أكثـــر من جانب.
نعم إن موضوعة ترتبط بحياة الناس الذين أداروا ظهورهم لريف الجنوب العراقي ليؤسسوا وطناً لهم خلف السدة ظهر بصدده العديد من الكتابات الصحفية كتحقيقات ومقالات أدبية وخواطــــر بمستوى الذكريات لكن ما أنجزه عبد الله صخي كان تتويجاً لحدث تاريخي بصيغة إبداعية مهمة وانتقالة جغرافية مشحونة بالغرابة، وكم كانت توظيفاته للأغاني الشعبية المتوارثة المغرقة بالحزن واللوعة المكتوية في القلوب موفقة جداً، وأضافت شحنة جمالية للعمل الإبداعي، إلا أنه إنجاز في طريق موروثنا الشعبي وإبعاده عن التلف والضياع.
تحية لــ (خلف السدة) ومؤلفها الكبير عبد الله صخي.



