النسخة الرقميةثقافية

مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم

67

مِنْ المعلومِ أنَّ مدينةَ السَماوة تُعَدُّ بوصفِها الرَّحم الذي أنجبَ السَّماويّ يحيى، فضلاً عَنْ كونها بحسبِه جنته وَجحيمه معاً، لكنها عَلَى الرغمِ مِنْ أثرِ معطياتها فِي بلورةِ شخصيته، لَمْ تُنجب شاعريته، فالَّذِي أنجبها – بحسبِه – هو « الفقر وَالشعور بغيابِ العدالة فِي « وطنٍ يغفو عَلَى بحيرةِ نفط، إلآ أنَّ فقراءه مازالوا يستخدمون روث البقر وَسعف النخيل وقوداً للطبخِ والتدفئة، وطن سوط الحاكم فِيه أطول مِنْ يدِ العدالة، وَالحزب الحاكم فِيه وَحده المبشّر بجنةِ النعيم السحت وَجميع الإمتيازات «. وَيعبر السَّماويّ عَنْ آهاتِ السواد الأعظم مِنْ شعبِه، وَمَا يعانيه مِنْ قسوةِ الأنظمة الحاكمة بشكلٍ دقيق بقولِه : « أنا ابن أمٍ قروية وأبٍ بقال، أطلقت أوّل صرخة بكاء حين طردتني أمي مِنْ رحمِها ظهيرة يوم ربيعي فِي بيتٍ طينيّ، وما زلتُ أواصل صراخي احتجاجاً على الفقرِ في وطنٍ يغفو عَلَى بحيرةِ نفط لا يمتلك مِنه الفقراء إلآ السّخام، وإدانة لساسةٍ وَعدونَا بالفردوس، فقادونا نحو الجحيم «. وَبنبرة وجدانية مؤثرة ﺗﺟﺳّد مواطنته بمسحةٍ عاطفية قال السَّماويّ يحيى ذات أديلايد : « غادرت وطني قبل نحو ربع قرن هرباً مِنْ حبلِ مشنقة، لكنني بقيت مشدوداً إلى رحمِه بأكثرِ مِنْ حبِل مشيمة «. وَليسَ أدل عَلَى ذلك مِمَا يحضرني الآن مِنْ حادثةٍ مؤثرةٍ رواها ليّ السَّماويّ منذ سنوات، حيث اشترى محدثي بيتاً فِي أستراليا، وأصبح لَه حق التصرف بحديقةِ المنزل، فَعمدَ إلى شراء فسيلة نخلة، وَاضطر لتوفيرِ مناخٍ لها كالَّذِي فِي بساتينِ البصرة أو السَماوة، فضلاً عَنْ رعايتِه لهَا كما ترعى الأم وليدها البكر وَالوحيد، حتى كبرت وَازدادت طولاً، حيث صارت بحسبِه « أطول منه، وأضحى عمرها أكبر مِنْ عمرِ ابنته سارة «، وَالغريب فِي أمرِ نخلته المدللة أنَّها أصبحت لها أعذاق، بَيْدَ أنَّها لَمْ تثمر أبداً، حتى غضب عليها يوماً وَاستأصلها بعد أنْ عرفَ مِنْ فلاحٍ أسترالي محترف، أنَّه إذا كان الحصى يصبح ياقوتاً، فإنَّ النخلة هذه ستثمر رطبا. وَلا رَيْبَ أَنَّ السَّماويّ يحيى – الَّذِي نزف مِنْ روحه وقلبه الكثير ليمنح الثقافة مِنْ ألقِ الشعر الرائع والمحلق في فضاء الإنسانية عبر السنين بحسبِ الشاعر جعفر المهاجر – حين يذكر حادثة النخلة الأسترالية، فإنَّه يريد التعبير عَمَا يتصل بِهَا مِنْ مغزى عميق لَه دلالاته الرمزية الَّتِي عبرَ عَنهَا صراحة بقولِه : « أنا كالنخلة العراقية، لَنْ تصبحَ نخلة حقيقية، إلآ في أرضها – وَمَا اعتزامي شراء حفنة أمتار مربعة فِي مقبرةِ وادي السلام إلآ لأنني لا أريد أنْ أتوسّد غير أرض العراق حين يتحتم عليّ التدثر بلحافٍ مِن التراب «، وكان حينها قد عقد العزم عَلَى طيّ خيمته فِي آخر شبر مِن اليابسة، والشروع فِي نصبِها بفضاءٍ ولو صغيراً فِي جنتِه الأرضية – مدينة السَماوة – بإذنه تبارك وَتعالى، إلا أَّنَّ ظرفاً قاهراً أفسدَ عَلَيه مَا كان – وَمَا يزال – يتمناه.
أنـا جـمـري خـرافـيٌّ
ولـكـنْ
نـاعـمٌ كـنـدى زهـور الـلـوزِ فـي وادي الـمـنـى
شـرَري
أنـا بـشـرٌ
ولـكـنـي بـعـشـقـي لـسـتُ مـثـلَ بـقـيَّـةِ الـبـشَـرِ
نـبـذتُ الـدربَ مـألـوفـاً بـلا خـطـرِ
فـمـا الـبـسـتـانُ إنْ أضـحـى بـلا شَــجَـرِ؟
ومـا مـعـنـى الـرَّبـابـةِ حـيـنـمـا تـغـدو بـلا وَتَـر؟
تـريـديـن الـجـوابَ عـن الـسـؤالِ الـصـعـبِ
كـيـفَ مَـلَـكْـتِـنـي قـلـبـاً وأحـداقـاً وقـافـيـةً؟
جـوابـي: صـمـتـيَ الـحـجـري!
لعلَّ المذهلَ فِي أمرِ السَّماويّ يحيى أَنَّه خلال وجوده فِي العراق كان يحلم بالمنفى، لَكنهُ حين وصلَ المنفى بقيَ لا يحلم إلآ بالعراق، فهو القائل : « العراق وطني وَمنفاي فِي ذات الوقت «. وَتدعيما لِمَا ذكر، فإنَّ مَنْ يبحر فِي روائعِ ديوانه السادس « عيناك لي وطن ومنفى « يتلمس حقيقة وَصفه الَّذِي أعلنه أكثر مِنْ مرة فِي مواضعٍ وَمناسباتٍ عدة بقولِه : « قصائد الديوان تتحدث عَنْ وطنٍ هو جنتي وجحيمي معا «. وَبحسبِ الشَّاعِر السوري علي فرحان الدندح، فإنَّ الديوانَ المذكور آنفاً « يضمّ بقايا رماد حروف السَماويّ يحيى المكونة مِنْ ثلاثين قصيدة، تجمع بين الشعر العربي الموروث والحداثة، فالقصيدة عنده برزخ بين الأصالة والحداثة «. وَمِنْ هُنَا يمكن القول إنَّ المعاناةَ ألهبت شاعرية السَّماويّ الَّذِي يتمتع بموهبةٍ شِعْريَّة وَ فَنِّيَّة فذة غنية بالإِبْداعِ الجميل، فكانت دلالاتها واضحة فِي منجزِه الشِّعْري. وَلعَلَّ مِنْ بَيْنَ الأمثلة عَلَى مَا أشرنا إليه فِيمَا تقدم بخصوصِ قوةِ لغة السَماويّ الشِعْريَّة وَرقة إحساسه، هو مَا عبرت عَنه الشاعرة وَالروائية « الرقية « السورية فوزية المرعي بالقولِ « نشعر بالشموخِ كلما لاحَ اسم السَماويّ يومض فِي سماءِ الشِّعْر أو النقد، فهو شَّاعِر متجدد فِي طرحِ أفكارٍ جديدة فِي عالمِ الشِّعْر، وأكثر ما ألهب مشاعري فِي شعره ذاك المنهج الصوفي الذي رتله بطريقةٍ جديدة لم يسبقه إليها أحد مِنْ قبل فِي نمطٍ جديد ملفت للنظرِ ومطرب للنفسِ التوّاقة لكل تهجدات الشِّعْر، فلا يشعر عشاق الشِّعْر بالمللِ أو بالسأم حين يعبرون خمائل السَماوي الشعرية، بل تنتابهم اختلاجات قد لا يستطيعون نقل ايقاعها فِي أيّ تعبيرٍ مهما حاولوا وأنا واحدة منهم. حين أقرأ قصائده وخاصة الصوفية أحلق بعيداً عني، وأدخل فِي ملكوتِ محرابه الإبداعي أتنسم رائحة البخور، وأميد علَى دق الدفوف، وأدور ..أدور.. وأحلق عالياً علني أقطف حبات مِنْ كرمِ إبداعه. يغشى عينيّ وهج القوافي، أرفع يدي للواهبِ بالدعاء : اللهم احفظ شاعرنا مِنْ كُلِّ مكروه، فهو أحد ملائكة الله عَلَى الأرضِ أرسله المولى وباركه بموهبةٍ قد لا تتكرر «. كذلك تشير الدكتورة مها عبد النبي إلى السَماويّ بعبارةٍ موجزة، لكنها بليغة فِي وصفِها بالقولِ « السَماوي مَعلَم ومُعلِم، يكتب بأنفاسِ رهطٍ مِنْ الشعراء عَلَى اختلافِ مشاربهم».
أمـسِ ـ انـتـصـافَ الـلـيـلِ ـ جَـفَّ دمـي
وشَــبَّ حـريـقُ شــوقـي
فـاسْــتـغــثـتُ
بـمـاءِ « زمـزمِ « بـئـرِكِ الـضـوئـيِّ فـي الـوادي الـسـحـيـقِ
مُـيَـمِّـمـاً وجـهـي لِـخِـدرِكِ
لا دلـيـلَ سِـوى سَــنـاكْ
ـ ـ
مُـتـبـتِّـلاً حـيـنـاً وحـيـنـاً كـافـراً بـالــبُـعــدِ
بـيـنَ الـجـذرِ فـي كـهـفـي
وبـيـنَ قـطـوفِ أغـصـانـي الأثـيـرةِ فـي سَــمــاكْ
ـ ـ
فـرشـفـتُ قـبـلَ دخـولـيَ الـفـردوسَ كـأسـاً مـن زفـيـرِكِ
فـانـتـشـيـتُ
وخِـلـتُـنـي قـبَّـلـتُ فـاكْ
ـ ـ
فـسـألـتُ ربـي أنْ يُـزيـدَ مـن الـظـلامِ
وكـنـتُ قـابَ قـمـيـصِ نـومِـكِ مـن سـريـركِ ..
ربـمـا أدنـى ..
وأطـبَـقـتُ الـضـلـوعَ عـلـى الـضـلـوعِ
فـفـرَّ ثـغـري نـحـو ثـغـركِ حـاطِـبـاً قُـبَـلاً
وفـزّتْ مـقـلـتـاكْ
ـ ـ
وانـزاحَ عـن سـاقـيـكِ ثـوبُـكِ
فـاسْـتـفـزَّتْ بـيْ مُـجـونـاً رُكْـبَـتـاكْ
ـ ـ
أوشـكـتُ أنْ ….. !
فـإذا بـشـيـطـانـي يـعـودُ فـتـىً مـلاكْ
ـ ـ
حـتـى إذا نـادى الأذانُ الـى صـلاةِ الـفـجـرِ
أغـوانـي نُـعـاسُــكِ بـاقـتـطـافِ الـتـيـنِ والـتـفـاحِ
مـن حـقـلِ الأنـوثـةِ
وارتـشـافِ نـدى زهـورِ الـلـوزِ خـالَـطَـهُ شــذاكْ
ـ ـ
فـدخـلـتُ واديـكِ الـبـعـيـدَ
وهـأنـا ثـمِـلٌ فـمـا أدري
أأسْـكَـرَنـي رحـيـقُ الـفُـلِّ والـريـحـانِ فـي حـقـلِ الأنـوثـةِ؟
أمْ نـداكْ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى