اراءالنسخة الرقمية

حرية الاساءة

حسين الهاشمي
غالبية سكان العالم يؤمنون باديان سماوية ومعتقدات وضعية وكل منهم يعد ما لديه مقدساً وكل منهم اختار ما يؤمن به بحرية كاملة ولم يجبره أحد على ذلك بل ولم يعد أحد بقادر على فرض معتقده على الاخرين إلا بطرق غير اخلاقية وغير قانونية والتي قد تكون احيانا عبر القانون ولكنها بخلاف روح القانون . قداسة العقيدة والمبدأ عند الفرد تأتي من كونه يقدّس مصدرها وبالتالي يعبّر عن تقديسها من خلال التزامه بها وبتعاليمها وفيمن هناك من يلتزم بشكل دقيق بها فان آخرين لا يلتزمون ولكنهم يحاولون استغلالها للوصول الى مآرب ومصالح غير مشروعة كما ان هناك عددا من الناس ممن لا يؤمن بشيء على الاطلاق فلا هو مؤمن بالديني السماوي ولا هو مع الوضعي البشري . بطبيعة البشر الميالة دوما لمصالحها الشخصية دون النظر الى الاخرين جاءت الاديان لتهذب وتحدد هذا الاندفاع الشخصي المصلحي ولتجعله يقف عند حدود مصالح الاخرين ولذا تراها كلها قيما وأخلاقا وأنماط سلوك تحاول تربية النفس البشرية على ان تكون جماعية وليست فردية ولما كانت الاديان لا تفرض على الشخص بالقوة المادية التزامه فان القوانين التي تضعها الدول تحد من حرية الشخص التي يقول البعض انها حرية مطلقة ومقدسة لا يمكن التعرّض لها ولكن حتى الدول التي تعد حرية الفرد مقدمة على حرية المجتمع إلا انها لا تمنح الفرد حرية مطلقة بل تضع لها حدودا وبالتالي من يبرر استهانته بالآخرين وبمعتقداتهم بمفهوم الحرية فأننا نقول له اذا كان ممنوعا مناقشة حدث تاريخي وليس انكاره جريمة يعاقب عليها القانون فبكل تأكيد الحرية ان الاستهانة وإهانة مقدسات الناس ليست بحرية إلا عندما تكون المعايير مزدوجة . الحرية التي يريد البعض ان يقول بأنها هي السند القانوني الذي يحصّن من يهين الاديان والمقدسات هي حرية منتقاة لتحقيق أهداف غير مشروعة الحرية ليست مطلقة . ولماذا يمنع القانون اي شخص ان يسير بسرعة تتعدى 30 كم بسيارته في منطقة مدارس الاطفال ولا يسمح له ان يتجاوز الـ120 في الطريق الخارجي وتفرض عليه غرامة مادية ؟ أليست هي سيارته وهو حر في ان يسير بأية سرعة يريد ؟ أم انها حماية للصالح العام فتتحجم وتتحدد حرية الفرد عند مصلحة المجتمع أليست أبسط حرية يحصل عليها الانسان هو ان يختار بحرية اسم مشروعه التجاري أو الخدمي ؟ فلماذا وقبل يومين اصدرت المحكمة قرارا بإجبار صاحب مطعم «سوشي» في مونتريال على تغيير اسم مطعمه لان الاسم الحالي والذي هو بغير لغة يعطي معنى فاحشا لو قرأ باللغة الانكليزية وهو ما يؤذي الذوق العام ؟ برغم انه يمكن لأي منا ان يقول بان الانسان الذي لا يعجبه الاسم لا ينظر اليه ولا يقرأه ولا يدخل ليأكل فلماذا نصادر حرية شخص لان يسمي مطعمه باسم يعدّه غيره فاحشا ؟ اذن هناك حدود للحرية يضعها القانون لمصلحة معينة ويفرض غرامات مادية أو جسدية بالحبس لمن يخالفها وذلك حرصا على مصلحة المجتمع . من هنا اقول بان كل مقدس عند الاخر هو محترم عند المؤمن الحقيقي ، بمعنى انه اذا كنت مؤمنا حقا بعقيدتك ودينك ومبادئك حتى لو كانت وضعية فانك لا يمكن ان تستهزئ وتهين معتقد ودين ومبادئ الاخر ، نعم ان تحاوره وتتناقش معه فهذا مكفول للجميع من باب حرية النقاش بل هو مطلوب لإثراء الأجواء بنقاش وحوار هادئ وموضوعي قد يصل الى نتيجة أو قد لا يصل وقد تتحقق مشتركات وسطية ، أما ان تقوم بالتعدي عليه من خلال اهانة مقدسه أو الاستهزاء به والتشنيع عليه فهو دليل على بطلان مقدسك انت وعدم كماله وانتفاء قيمته ، فالأديان السماوية تدعو الناس بالكلمة الطيبة والعمل الصالح وتدافع عنه عندما يريد الآخر الاعتداء عليها ولا يمكن ان يقوم دين على أساس نفي الاخر واغتصابه فكريا . المتطرفون فقط هم الذين يعتدون على مقدسات الاخرين وطبيعة المتطرف انه ليس ملتزما بدينه أو معتقده وإنما يستغله لتحقيق مصالحه غير المشروعة ولذلك تراه عدوانيا وشرسا و وقحا لأنه لا يملك حجة النقاش وعلمية الحوار. في العراق عندما تعرضت كنائس المسيحيين في بعض المدن للاعتداء من المتطرفين ممن يدعون الاسلام اعلن المرجع الاسلامي السيد علي السيستاني بان كل المدن الشيعية المقدسة هي بيوت مفتوحة للمسيحيين يأتون اليها فنسكن معا ونأكل معا ونعيش معا الى ان تستقر الاوضاع ، وقبل أعوام أعلنت الكنيسة في العراق عن الغاء احتفالاتها بأحد الاعياد المسيحية المقدسة لأنها صادفت نفس يوم العاشر من شهر محرم بالتاريخ الهجري والذي قتل فيه حفيد رسول الله محمد (ص) حيث تقام فيه مراسم حزينة للمسلمين وفي الجمهورية الاسلامية الايرانية منعت الحكومة في نهاية الثمانينيات دخول وعرض فيلم يتناول حياة السيد المسيح «عليه السلام» بصورة مسيئة ومهينة وذلك احتراما وتبجيلا لنبي من انبياء الله ورسله فيما كانت دور السينما العالمية تعرضه .
اذن المؤمن الحقيقي بمقدساته لن يسمح لنفسه بإهانة مقدسات الاخرين بحجة الحرية التي تمنع عند محطات معينة وتطلق بأقصى سرعتها عندما تتعلق بدين وعقيدة سماوية معينة ودائما ما تكون نتائج الاهانة عكسية بينما الحوار والنقاش والتسامح والمحبة يلقي بظل رحابته ودفئه وسلامه على اوسع رقعة ممكنة. لم يستطع الفيلم الاخير الذي اساء الى نبي المسلمين من ان يحقق هدفه بإفشال زيارة البابا الى لبنان وحتى اختيار التاريخ لم يحقق هدفه كما وأنهم فشلوا في استدراج المؤمنين للإساءة لأنبياء الله غير محمد حيث بقي المؤمنون الموحدون يؤمنون بنبوة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام أجمعين . ان أبشع صورة هي صورة مجموعة متطرفة مجتمعة معا تهدد وتتوعد وكل هدفها الغاء الاخر والإساءة اليه وتشويه صورته بينما تتجسد أحلى الصور في طاولة حوار يجتمع حولها موحدون وغير موحدين ومؤمنون وغير مؤمنين هدفهم اللقاء والتقريب وتبادل الافكار فيما تتوسط الطاولة مجموعة ازهار بألوانها المختلفة وروائحها الزكية ، فيخرج من الصورة الاولى دخان الحقد والكراهية والبغضاء فيما الثانية تفوح ببهجة الالفة والمحبة والانفتاح بكل تأكيد لن تجد الطاولة الاولى من يجلس عليها بل لن تجد لها مكانا في بلدنا بينما الثانية تكبر وتكبر لتغطي مساحة الوطن فتضفي الامان وتمنح الوئام وعلى الأرض السلام .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى