النسخة الرقميةثقافية

ملاك و شيطان

حسين هيثم

كانت تلك هي اللحظة الوحيدة التي لن تتكرر، فعليّ إذًا استغلالها بأسرع ما أستطيع إلى ذلك سبيلًا. أنني شيطان صغير، بنفسجيّ اللون يختبئ في ظلمة حانة للبشر، ينتظر فرصة سانحة ليدخل في جسدِ بشريّ. وكان الوقت الآن هو الوقت المحتوم، فأمامي على الأرض الخشبية المبللة بالنبيذ يتلوّى بشكل جنونيّ شخص مصاب بالصرع. وكان الزبد يتجمّع في حوافِ فمه، وجسده يضرب الأرض بهستيريا أثارت الخوف في نفوس الرجال المحدّقين إلى المنظر بذهول. بعضهم بقيّ واقفًا وصامتًا، وبعضهم كانت الابتسامة البلهاء ترتسم على وجهه. وكنت أنا فرحا، أحكّ رأسي بيدي اليمنى، وأستعدّ بحماسة للركض صوب الجسد المصروع. أنني شيطان قصير القامة جدًا، نحيفًا، لم أتغذَّ على بشريّ منذ ثلاث سنين، فقد كنت دائما مطرودا من كلّ مكان، ومن كلّ جسد، إلّا أجساد المرضى والمصروعين، وكان المصروعون هم المفضلين عندي. أعود إلى الشخص المصروع الآن، في الحانة القابعة في شارع …..، في تقاطع ……، في الساعة الحادية عشرة مساءاً، على ضوء شموع الحانة الباهتة الإضاءة، ضرب الأرض بقوّة ذلك الشخص اللعين، بينما كان يلعب القمار مخمورا، وكان الجوّ الخانق المليء بالدّخان ورائحة الخمور يعمّ المكان، ويغطي وجودي الذي كان فرصة لا تصدّق، قفزت في داخلي مرحا، واختبأت في مكان أقرب إلى طريدتي، والتي هي الآن مخدّرة تمامًا، لقد خفّت موجة الصرع، وتخمّرتْ روح الصريع، وها هي فرصتي. قفزت من مكاني، وركضت بكل ما أملك من سرعة، ولقد رأيت -في ثانية لا أكثر- الناس المجتمعين حوله ينظرون ليّ ذاهلين، لقد كنت سريعًا ودقيقًا في مكان دخولي إلى الجسد، من خلال الفم المفتوح المزبد، أنحيت ظهري، ولممت يديّ أمامي وأدخلتها في فمه، وولجت بسهولة لم تصدّق في جسمه، لكن روحه كانت ضيّقة، أو أنّ شيئًا خاطئًا قد حدث! نعم، لقد كنت بطيئا لجزء واحد من الثانية، وذلك الجزء من الثانية الخاطئ كلّفني حياتي. فقد أمسك أحّٰدهم بذيلي. نعم، لقد قام شخص لعين بذلك، وقام بسحبي من جسد الصريع ضاربا إياي بقوّة وقسوة. لقد آلمني سحق ذيلي، واللّكمات التي كانت تنهال عليّ من كل صوب وحدب في تلك الحانة المقززة، لقد تكوّمتُ على الأرض مليئًا بالجروح، وقد رأيت الأيدي التي تضربني مملوءة بدمي، كانوا يلقون بثقل أرجلهم فوق جسدي الهزيل، وقد رأيت الشرّ – في تلك اللحظة- يتراقص في أرواحهم، لقدِ انتزعوا عنّي جلدي البنفسجيّ الرّقيق، ولكموا وجهي وجسدي حتى امتلأ ظغونًا وندبات. وباتت الأيدي البشرية تقشّرني الآن، وتتلذّذ بتعذيبي. لقد جرّموني، وارتكبوا جريمة بحقّي، حتى أنّهم سلخوني حيّا فقتلوني، فوجدوا داخلي ملاكا حيّا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى