اراءالنسخة الرقمية

الطبيب بين أخلاق المهنة و التجارة الطارئة

يوسف رشيد الزهيري
الطب مهنة انسانية قبل كل شيء وتحية احترام وتقدير لكل الاطباء الشرفاء الذين يمتهنون المهنة بكل شرف وأمانة ومروءة وإنسانية، فالطبيب يؤدي قسم شرف المهنة قبل تسلم شهادة تخرجه، خدمة للإنسانية قبل ان يفكروا بما يجنونه من أموال لقاء جهودهم الانسانية العالية . فالعلم والمعرفة والتوفيق الإلهي هبة من الله سبحانه وتعالى خص بها شريحة من البشر وعلى هؤلاء ان يشكروا الخالق على نعمة العلم وان يسخروها من أجل خدمة وسعادة البشرية وتحقيق الأهداف النبيلة ومرضاة الله سبحانه وتعالى الذي يجزي خيرا وأجرا عظيما.
في العراق كان هناك الكثير ولا يزال من الأطباء الذين سخروا عياداتهم لمعالجة المرضى لقاء أجور تتناسب والحالة المعيشية التي يعيشها الكثيرون، اذا لم نقل ان البعض من هؤلاء يعاينون مرضاهم مجاناً لو شعروا بفقرهم أو ضيق في حياتهم المعيشية . ومازال نفر قليل من اولئك الرعيل من الأطباء الشرفاء المخلصين الذين لم تغوهم ملذات الدنيا وطمعها ولم تثنهم الظروف الامنية عن ممارسة عملهم الانساني بل ازدادوا صبرا وتحديا في مواجهة أقسى الظروف ولم يهاجروا خارج العراق.
لكن بطبيعة الحال أن طبيعة التغيرات التي حصلت في العراق بعد عام ٢٠٠٣ أفرزت كثيراً من التعاطي بعيداً عن الجانب الانساني والتوجه نحو صوب اغراءات الحياة والماديات في عملية بناء الذات بعيداً عن بناء الوطن التي من أهم لبناتها نكران الذات والتفاني لأجل خلق مجتمع متعاون ومن مبادئه مساعدة المواطنين المحتاجين، وعلى ضوء ذلك علينا ان نذكر أنفسنا وذوي الاختصاص ان كانوا أطباء أم غيرهم بأن تراكمات الخلل النفسي والديني والأخلاقي والاجتماعي والسياسي والأمني في المجتمع العراقي الأكثر ارتفاعاً وتوترا في العالم نتيجة المخاضات العسيرة والاضطرابات الامنية والسياسية والاجتماعية التي شهدها المجتمع والواقع العراقي الغائب فيه القانون القوي والصارم للحد من كل مظاهر الفساد والاستغلال، وبناء على ذلك فنحن نحتاج الى نهضة فكرية انسانية و وعي عميق يرتقي بالمستوى الديني والعلمي مع تفعيل دور الرقابة والقانون وتوجيه دور الاعلام والمؤسسات لترقيع الحالة النفسية للمواطن العراقي، وعلى المؤسسات الصحية الرسمية ان تنهض بالجانب الصحي والرقابي وتقييم عمل مراكزها ميدانياً وعملياً وكذلك إبعاد شبح الاستغلال والمتاجرة من قبل ضعاف النفوس وكلاب المال من ذوي العيادات الخاصة وعدم فسح الساحة على مصراعيها أمامهم للتربح من دماء العراقيين . وان ظاهرة جشع الأطباء وغياب المعايير والاعتبارات الانسانية والأخلاقية والقانونية ظاهرة طارئة على بيئتنا الصحية التي كانت تزخر بالأطباء المهرة الذين كانوا يشفقون على ذوي الدخل المحدود والفقراء، فقد كانت أجرة بعض الاطباء في عياداتهم الخاصة مناسبة لدخول فئات المجتمع الفقيرة، بل القسم منهم يعفو المحتاجين والمعوزين من أجور الكشفية أو المعاينة، والقسم الآخر يتعاون مع النقابات الاخرى كالمعلمين والعمال لإرسال مرضاهم لعياداتهم الخاصة، حيث يبرز المريض هوية النقابة التابع لها لخصم بعض من الأجور وكانت مهنة الطب متقيدة بالاعتبارات الانسانية، عكس ما نراه اليوم من غياب لكل تلك المعايير والاعتبارات، واعتبار الوارد المالي اليومي للطبيب في عيادته الخاصة ما يربو على ملايين الدنانير، جلهم لا يحملون كفاءة علمية كما كان سابقاً لان الكثير من الاطباء ذوي الكفاءات العالية هاجروا بسبب الابتزاز والتهديد في ظل الوضع غير المستتب أو توفوا ولأجل الحد من هذه الظاهرة يعتمد أساسا عن تدخل الدولة فيما لو كانت هناك دولة مؤسسات تحمي رعاياها ومواطنيها، وتفعيل قانون الرعاية الصحية المجانية أسوة بالدول المتقدمة في العالم. فالطمع والجشع الذي دفع الكثير من الأطباء للتخلي عن شرف المهنة ليتعامل مع الآخرين بعقلية التاجر.
يجب على الدولة والمجتمع استئصال هذا المرض الطارئ على مجتمعنا الاسلامي والإنساني والعشائري الذي يعتمد على فعل الخير والمروءة في التعاملات الانسانية، لان كلاب المال بلا دين ولا أخلاق .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى