النسخة الرقمية

ملاءة من جلد ثور

فاطمة عكاشة – تونس

في الشَّارع الخَلْفِيِّ مِنْ عينيكَ يسْكُنُ طَيْفُها
في جيبِكَ الأنْفيِّ يقطُنُ طيبُها
في غُرْفَة في القلبِ
في فُقّاعَة النَّبضِ المُتَيَّم يسْتريحُ نحيبُها
لكنَّها ليستْ مَعَكْ!
أقبِلْ
فأنتَ حبيبُهَا..
أقبلْ
وَقُلْ: «ما عَيْبُها»؟
يتَدخَّل الحَسُّون بالحُسْنى لكَيْ تبقَى مَعكْ!
ويعودُ والخيْباتُ تنسجُ في العيون مُلَاءَة
بيضاء تدخلُ مخدعَكْ
تلك المُلاءةُ بعضُ جِلْدٍ.. بعض أنفاسٍ..
تُغَطِّي حُلمكَ المَقْرور
تغمُرُ مضْجعَكْ
تلك المُلاءَة فكرةٌ مَرِضتْ وأنتَ طبيبهُا
كْم يستغيثُ لهيبُها..
مَا كان جُرحك ذاك
لكن شرخه قد أوجعَكْ!
فيمَ اعترافكَ سيّدي؟
فالصّمت مَدَّ ذِراعَه كي يوقِعَكْ
سِرْبُ السُّكُون يتَرْجِم اللّغَة العيِيَّةَ
يقْرأ الأفكَارَ.. لكنْ لا يضجُّ لتَسْمَعَكْ..
هي في فضائك رفَّة بيْضاء داميَة
يحُطُّ بسَاطُها كيْ يرفعَكْ
هي مُرضعٌ عطشى يفيضُ حَليبُها
لكنّمَا الأنهارُ ترفض أن تُدِيرَ
كؤُوسَها
وتَزُمَ فيْضَ عيونِها
لتجوعَ يا نسْل المواجِعِ
حينَ تشْبعُ قملةٌ
وتسوقُ نحوك مصرعَكْ
بُعْثِرْت واخْتَمَر التشتُّتُ في عروقكَ
كيف تنْحت في الصّخور أصابعَ لن تجْمعَكْ؟
«ويداك ضَارعتان ترتعشان»
من خوف تجمَّد ثمّ أضحى
أنْهُرا تجري فتثْقُبُ مَدْمعَكْ
بدَّلت أنسَك وحْشة
فيها خُوارُ خريطة يعلو أجَشّ
مُعَربِداً يرْنُو إلى البلد المُشَوَّهِ هازئا..
ما أكْذَب التّاريخ يُكْتب في رقاعٍ من بقايا جلِد ثوْرْ
وينام في كهْف الخُرافة
والوِسادَة جلْد ثور
حُشِرت بها أصْواف كلِّ
حضارة وُلِدَت وماتت مثلها في جلدِ ثورٍ
قد تآكل.. ثم خِيطَ ليَخْدَعكْ
قدْ دارَت الحرب الضَّرُوس بجلد ثورٍ
واستَتَب الأمْنُ أيضا في البلاد بفضل من قد ثار يوما كيْ يُعيد الثّورَ للإسْطَبلِ
لكن لم يَعُدْ لِلثّور جلْدٌ يشتري وطنًا
يثورُ ولا يثورْ..
لا تُشِرْ أبَدا إليها إنّها
لن تَتْبعَكْ!
هذي البلادُ مُلاءَة بيضاءُ تُخْفي عُرْيَ مَن لنْ يصفعَكْ
لن يَسْتَفِيقَ ليَرْدَعَكْ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى