اراءالنسخة الرقمية

الإعلام و صناعة الأوهام

علي حسين عبيد
الإعلام هو صوت الناس، بهذه الجملة المختصرة، وبهذا الوضوح يصف بعض المختصين مهمة الاعلام ودوره، ولكن هناك شروطاً تجعل من الإعلام قادراً على القيام بهذا الدور الكبير، فصوت الناس، هو رأيهم، وهذا الرأي الجمعي، لا يستطيع أحد أو شيء أن يمثله ما لم تكن له مزايا خاصة تجعله قادراً على أداء هذه المهمة الصعبة، فحتى تكون ممثلاً لصوت الناس ورأيهم ينبغي أن تكون صادقا ودقيقا، وحتى تحصل على هذه الصفة الأخيرة، عليك أن تعتمد الحقائق والأسانيد الصادقة، ولا تذهب في طريق الأوهام. هل هناك من يستدرج الاعلام نحو فخ الأوهام ؟ الاجابة، نعم هناك إعلام يعيش على (صناعة الكذب)، ويعتاش على (خلق الأوهام)، ومن المشاكل العصيبة أن حصانة الرأي العام لم تكن دائما من الصلابة بحيث تكون قادرة على فضح الإعلام المضلَّل، بمعنى هناك مشكلة التضليل دائما تقف في وجه الاعلام القائم على الحقائق. علما أن العلاقة بين الحقيقة والإعلام متعاضدة ومتبادَلة في الوقت نفسه، فهي تسهم في صناعة اعلام ناجح، والإعلام يمكن أن يقوم بدور مهم في كشف الحقائق وتثبيتها، إذاً فإن دور الاعلام يمكن أن يكون كبيرا في تثبيت الحقائق أو تغييرها، وله قدرة كبيرة على التلاعب بالعقول، ليس البسيطة العادية غير المتخصصة فحسب، وإنما يمكن للإعلام المضلل أن يتلاعب حتى بعقول النخبة أو الاشخاص والجهات المعنية بتطوير المجتمع، والتي تعلن قيادتها للنشاط المجتمعي الحكومي والأهلي على حد سواء، خاصة عندما تسير هذه النخب مع الموجة التي يصنعها الاعلام عبر وسائل التزييف والفبركة. لا يمكن للإعلام أن يمسك العصا من المنتصف فيما يتعلق برصد الحقائق وتثبيتها، بمعنى أما أن يصطف الاعلام الى جانب الدقة والإنصاف أو يكون مغاليا مأجورا ومفبركا كما في الصحافة الصفراء مثلا، فأما أن يكون الخداع منهجا للإعلام، أو انه ذو منهج يقوم على الصدق، ولا يمكن أن تكون الوسطية هنا مقبولة أو ناجحة، أي لا يمكن أن يكون الاعلام صادقا مرة وفي اخرى كاذبا ومخادعا، فهو يتبع منهج المخطط له والمنفّذ لأهدافه المرسومة مسبقا. هناك خطر كبير يمكن أن يتسبب به الاعلام عندما يسعى لتزييف الحقائق، هنا سوف تتضح خطورة الاعلام في تعامله مع بسطاء الناس، ومحاولاته الحثيثة لتزييف الحقائق بما يتفق ومصالح القائمين عليه، خاصة اذا عرفنا قدرات الاعلام الكبيرة في خداع العقول التي تظن بأنها واعية ومحصنة من مخاطر الاعلام الصاخب والكاذب، وهذا يذكرنا بالمقولة ذائعة الصيت لجوزيف جوبلز وزير الدعاية النازي الذي قال فيها: (أكذب أكذب حتى يصدقك الآخرون، ثم اكذب أكثر حتى تصدق نفسك)، وهكذا يسعى الاعلام الكاذب لتزييف الحقائق لكي تصبح الاكاذيب صورة أو حالة واقعية مفروضة على العقول التي سرعان من تنطلي عليها عمليات الخداع والتضليل، لتمرير أهداف معينة لصالح كتلة أو حزب أو شخصية سياسية أو تزيين وجوه كالحة وأياد سارقة وآثمة، ومشاريع مشبوهة، وما الى ذلك من اهداف يسعى الاعلام المزيف الى ترويجها وتثبيتها كحقائق، هذا الامر على الصعيد المحلي وهناك إعلام يسعى لخدمة أهداف خارجية اقليمية ودولية. إن بسطاء الناس ربما لا يعون مخاطر اللعبة الاعلامية وقدرتها على التزييف، لذلك قد ينخدع كثيرون بسرعة، بما يتم طرحه من أهداف ومشاريع وأجندات مشبوهة مختلقة لا تمت للحقيقة بصلة، وقد نعطي العذر للناس البسطاء بسبب تدني مستوى الوعي لديهم، وضعف الاطلاع وفهم ما يجري في السياسية وسواها، ولكن ما هو عذر العقول المتخصصة الواعية عندما تنطلي عليها مثل هذه الاكاذيب وتؤثر فيها، وتغيّر من قناعاتها وسلوكها ايضا ؟، إن الخطر كل الخطر يكمن في قدرة الاعلام المزيف على التأثير في العقول الواعية المتخصصة، فالمتوقع من العقول الذكية كشف التضليل والتزييف الاعلامي وفضحه وتنوير بسطاء الناس، فإذا سقطت في الفخ فهذا يعني أن الجميع تنطلي عليه اللعبة، هذا هو مكمن الخطر بالضبط. لذلك اذا كان ثمة عذر للعقل البسيط في تمرير ما يروج له الاعلام القائم على التضليل، فإن هذا العذر لا يمكن منحه لمن يعلن بأنه صاحب وعي عال ويؤكد بأنه من النخبة، وانه من المتصدين لرفع كفاءة الاعلام وتطوير البلد في عموم المجالات، إذن فالمطلوب ممن يعلن انتسابه الى النخبة الواعية، أن لا يسقط ضحية للإعلام الصاخب، كما يسقط صاحب الوعي البسيط والعقل العادي، والسبب أن من ينتسب الى النخبة ويتصدى لقيادة المجتمع، ينبغي أن لا تنطلي عليه عمليات الخداع والتضليل والتزييف التي يقوم بها الاعلام الكاذب، لسبب بسيط أن مهمة الكشف والرصد والفضح لهذا النوع من الاعلام المخادع تقع على عاتق العقول الكبيرة المتخصصة. هناك سبل تندرج تحت منهجية التخطيط المسبق هي التي تبدأ بهذه المهمة، بمعنى أوضح على كل من ينتمي الى النخب، التفكير بطريقة مضادة ومبتكرة تختلف على نحو تام عما يطرحه الاعلام المخادع، من أفكار ورؤى ومشاريع تبدو وكأنها تنتمي للحقائق، لكنها عبارة عن حزم متواصلة من الخداع والتزييف، تستهدف بث وترسيخ أهداف معينة، لا تصب في صالح المجتمع، بل تهدف الى تحقيق مصالح ضيقة الافق والرؤية، إما تتعلق بحزب أو كتلة أو شخصية سياسة، تهدف الترويج لمصالحها ونفسها، على حساب المصالح العامة، وهذا يعني أننا ضمن منهجيتنا ينبغي الابتعاد عن الذاتية والأنانية والتفكير بالمصلحة الفردية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى