فـي شارع المتنبي.. الكتاب بـ «ربع» ولا أحد يشتري

عبد الجبار العتابي
لا توجد مفاجأة في شارع المتنبي الذي يسميه العراقيون (شارع الثقافة) غير ان الناظر ستصدمه أسعار الكتب البخسة جدا، والتي هي بأصغر فئة من العملة المحلية (250 دينار/ 200 سنت) وتتصاعد الى (ألف دينار/ 800 سنت)، مع وجود أعداد هائلة من الكتب التي تباع بهذه الأسعار ابتداءاً من أول شارع الرشيد (قرب ساحة الميدان) نزولاً في الشارع ذاته دخولاً الى شارع المتنبي، حيث كل تلك المسافات معبّدة بالكتب سواء التي تنتشر على الأرض أم التي على مناضد ام على عربات خشبية، وان لم تصدق عيناك الأسعار المكتوبة على قطع صغيرة من الكارتون المقوى فأصوات الباعة تعزز لك ذلك من خلال مناداتهم (الكتاب بربع دينار) يقصدون (ربع الألف دينار) او (الكتاب بألف) وما بينهما الـ(500 دينار)، وحين تعاين الكتب وتتأملها تجدها سليمة 100% وبعضها مجلدات وتشمل كل المجالات الأدبية والعلمية والثقافية ولكن الملفت للنظر ان الكتب الدينية هي العلامة الفارقة، ولا يمكن مقارنة تكلفة طبع الكتاب بسعر بيعه الحالي ابداً فهناك بون شاسع طبعاً، فيما هناك كتب أسعارها غالية، وخاصة عند أصحاب المكتبات الكبيرة في شارع المتنبي، وتأتي التساؤلات طائرة على أجنحة الدهشة والاستغراب: لماذا؟!
أعود من بداية امتداد الكتب لأنظر ومن ثم أسأل لمعرفة ما يحدث في سوق الكتب، اقف عند بائع شاب: لماذا الكتاب بـ(بربع دينار كما تقول، مع ابتسامة ارتسمت على شفتيه قال مازحا: حتى نشجع على القراءة! ثم أردف: الصحيح ان اخي الكبير، قبل شهر، اشترى كمية كبيرة من الكتب بسعر جيد، عرضناها بسعر (الف دينار) فلم نبع الكثير.
طلب مني أحد الباعة في الشارع ان اراقب الذين يغادرون الشارع وان انظر عدد الذين يحملون كتبا، ثم أردف قائلا: نسبتهم قليلة جدا، وربما لو سألتهم لوجدت أغلبهم لا يقرأون من أجل القراءة بل لأسباب اخرى. صرت أُحدّق بالمارين ذهابا وايابا بفعل الفضول، يسترعي انتباهي العددُ الكبيرُ من الناس الذي يقفون عند باعة الكتب الرخيصة، اراهم يقلّبون ومن ثم يمضون، لا ادري إذا ما كانت عناوين الكتب لا تعجبهم ام ان مسألة (الكتاب بربع) هي التي تستوقفهم، قررت اسأل اول من غادر بعد ان قلّب محتوياتها، قال: اعتقد ان الكتاب بربع هي من استوقفتني وحين فتشت لم أجد الكتاب الذي يعجبني!سألت الصحافي علي صحن عبد العزيز، عما يحدث في الشارع من هذا التدني في الأسعار؟، فقال اولا: شارع المتنبي شارع الهموم والوجع الثقافي. واضاف: ما يحزنني فيها هو سعر الكتاب بـ(250) ديناراً للقصة أو الرواية وبقية الكتب الأخرى، لا بد لنا أن نعترف مدى الأشهر التي بذلها مؤلفو هذه الكتب، ومن سهر الليالي وتعب وتجميع المصادر حتى يكون مصيره بهذا المنظر المؤسف والحزين.
وتابع: على ما أذكره أيام دراستي بالإعدادية أيام الثمانينيات كان مصروفي (500 فلس أو دينار) لكنني لم أصرفه، بل أشتري به جريدة الجمهورية أو مجلة الف باء، وامشي مسافة تقدر بثلاثة كيلومترات حتى أصل إلى الإعدادية، ولم أكتفِ بهذا القدر بل كنت أزور صديقا لي وقتها في المكتبة الوطنية مقابل وزارة الدفاع حاليا، وأدخل بين رفوفها حتى أستنشق عبق رائحة الكتب، لم يخلُ اي أسبوع من دون ما أنجز قراءة ثلاثة أو أربعة كتب، وليس مبالغة حتى أنني اتوسدها تحت رأسي، هكذا كان جيلنا يُعنَى بالثقافة والكتب والمجلات ومؤلفيها، أما اليوم وما أشاهده ومَن يشاهده معي، فالكتب مبذولة وتحتاج من يتصفحها، وانا لا أجد لذة ومتعة القراءة ما لم أمسك الكتاب بين يديّ، واترحم على مؤلفه إن كان في ذمة الله، وأدعو له بالتوفيق على ما أهداناه من بنات عقله وأفكاره.وختم بالقول: وتبقى الحسرة والألم ينتابني كلما أرى أسعار هذه الكتب وهي مرمية جريحة المشاعر للمؤلفين.
ودعّته وانا أغني: الكتاب بربع دينار!ذهبت في طريقي بالشارع أُعاين كل شيء، يستوقفني صوت ينادي (كتاب بألف دينار.. كتاب بألف دينار)، انظر الى الكتب الفروشة أمامه أجدها مختلفة، قديمة وحديثة، سألت البائع: كم كتاباً تبيع كل يوم جمعة؟ فضحك ثم قال: قليل جداً!
تركته لأتوجّه الى رجل كبير في السن بجانبه، يوزع كتبه على الارض والكتاب وسألته عن الأسباب وراء تدني أسعار الكتب، فقال: اكثر اصحاب المكتبات يقومون بتصفية ما لديهم من كتب، بعد ان وجدوا ان مخازنهم اصبحت لا تحتمل اعدادا كبيرة من الكتب، اغلب هذه الكتب موجودة لديهم منذ اكثر من عشر سنوات يوم كان الإقبال على الكتب الدينية خاصة كبيرا، الآن حتى الكتب الاخرى ليس عليها طلب وقد اصبح شارع المتنبي متنزها ومطعما كبيرا.
واضاف: لا تصدق ان شارع المتنبي شارع ثقافة فقط، الكثيرون ممن يدخلونه لا يقرأون، الكتاب يباع بسعر زهيد ولا احد يشتري!
بعد الذهاب الى رأس الشارع وعودته منه، توقفت عند صاحب مكتبة وسألته عن سر الأسعار الهابطة للكتب، فقال: تجري حاليا في العديد من اصحاب المكتبات او باعة الكتب المحترفين في شارع المتنبي وشارع الرشيد عمليات تصفية للكتب التي لديهم منذ سنوات، وقد كانوا يعتقدون ان الطلب سيكون كبيرا عليها ذات يوم، فاضطروا الى بيعها بأقل الأسعار للتخلص منها.
واضاف: الكثير من العناوين المختلفة تشكو الكساد كالشعر، والسبب قلة القراء، فليس هنالك القراء الذين نعتقدهم الكثيرون وربما اقول لك النخبة المثقفة هي وحدها التي تقتني الكتب واغلبهم من الذين تتجاوز اعمارهم الاربعين. وتابع: حين يكون الكتاب بأصغر عملة عراقية فهذا مؤسف لان هذا المبلغ لا يساوي حتى غلاف الكتاب.



