ليت القضية شعر
لا يزال الشعر منذ القدم ذاكرة الشعوب، به تستذكر تاريخها وتراثها وادق تفاصيل حياتها. ولا يقتصر على حفظ الوقائع التاريخية المهمة فقط، بل ينقل المشاعر الانسانية بأسلوب رومانسي جميل افضل مما لو استحضرها الانسان بنفسه. دائماً يصوّر حجم الأسى الذي يشعر به الشاعر كفرد او مجموعة بسبب فراق او فاجعة او قضية، فلا تستطيع أمهر الخدع السينمائية او أي مخرج يصور حجم الأسى ونقله الى المتلقي مثلما ينقله الشعر الذي يخاطب النفس قبل العقل والبصر، فيحاورها. فيؤخذ على الشعر ايضاً يمجد من لا مجد له، ويعلي أناساً غير ذي علم عظيم او يهبط أناس كانت لهم صولات وجولات بتاريخ البشرية. فلو توقفنا قليلاً عند مأساة ومعاناة الشعب الفلسطيني في الارض المحتلة في مدن غزة وحيفا ورام الله وغيرها من مدن الارض المحتلة، ما يعانيه من قمع واعتقال وتهجير ومأساة والتي يتداعى لها قلب كل عربي ومسلم، فعلى الرغم من قلة الحيلة وضعف التدبير إلّا أن الجميع حاول ان يساعد اخوانه داخل الارض وخارجها.
لو نهض المتنبي من قبره لقال فيهم مثل ما قاله في سيف الدولة او زاد عليه كثيراً، فكلما اتسع الجرح اتسعت الافواه، تعلّل وتقيّم وتطالب وتهاجم وتشتم وتقول ما تعلم وما لا تعلم، حتى اصبحت الصحف كأنها صحيفة واحدة مكررة في كل مكان، وتحولت معظم افتتاحيات الصحف الى رثاء في تظاهرة «لطمية» تهمش العقل وتميت القلب، حتى فرغت القضية من محتواها، فتحولت الى قضية سياسية اكثر من كونها قضية انسانية، حتى طالب البعض بالتوقف عن الحديث كأن القضية اصبحت شأناً داخلياً في دولة عربية لا شأن لهم فيها. فلسطينيون آخرون سئموا الوقوف على اطلال آبائهم وسئموا الحلم الذي يحدو ذويهم بالعودة الى فلسطين، حتى تحدث احدهم «لا اريد ان يعرف ابنائي اننا فلسطينيون، اريد في المهجر ان يعيشوا بسلام.. سلام النفس»!
الأجيال السابقة من شعب فلسطين تعاملت مع القضية بصفتها قضية حياة او موت، موقنة ان الارض عائدة بلا شك، وأنها مسألة وقت، فكانوا يتغنون بها وينشدونها شعراً، فكانت قضية انسان لا ارض، فكان الشعر حياً في نفوس الشعراء، فانبرى لها شاعر في كل بلد عربي او مسلم يخلّدها عبر صفحات شعره، فكانت اقرب الينا واصدق مما عليه اليوم. والأمل حقيقة عند محمود درويش والجواهري ونزار قباني واحمد دحبور الذي وصف القيادات الفلسطينية التي تدفع الفلسطينيين الى التهلكة وهو يقول:
البحر من ورائكم
ماذا وراء البحر؟
خليفة يسلبنا القوت وغار النصر
البحر من ورائكم
نحن نريد البحر، اذاً لا تصلح مقالاتنا واخبارنا وتحليلاتنا عن فلسطين إلّا لتسلية القراء لدقائق، بعدها يذهبون الى صفحات الرياضة والاقتصاد، فالقضية اضحت قضية حكومات لا قضية شعوب. الشعر يبعث جذوة الحمية في النفوس وينطق الاحاسيس الخرساء، ويبقي فلسطين حية في النفوس ويعريها من الاتفاقيات وينقيها من المؤتمرات، وينزل بها من القمم الى قبور الشهداء. والشعر فقط من يذكرنا بأن القدس مقدسة مثل مكة المكرمة، وان النبي محمد (ص) صلى بها قبل المدينة.. والشعر يأخذنا اليها لنصلي بمسجدها (القدس).
فوزي فارس جرص



