احتكار الأجواء لم يعد سعودياً

منى صفوان
احتكرت السعودية الاجواء في حربها على اليمن، غير ان المعادلة كانت قد تغيرت منذ أشهر، بدخول الحوثيين الى ساحة المعركة الجوية، وإحداث نقلة مختلفة لهذا الصراع، فهناك جزر تتحرك من مواقعها، جراء الخضات الكبرى التي تشهدها المنطقة خلال السنوات الاخيرة. 4 سنوات كانت كافية لتقدم جماعة الحوثيين مستوى نوعيا من العمليات العسكرية ، وتضيف مفاجآت ساخنة لخصومها، وتتمكن من الاحتفاظ بعنصر المفاجأة. لقد قللت كل الاطراف من قدرة الحوثيين العسكرية «الدفاعية والهجومية» على حد سواء، وكذلك من خبرتهم وحضورهم السياسي، مقارنة بالأحزاب اليمنية، التي افنت تاريخها في مضمار السياسة. هنا يتكئ السياسي الحوثي حسين العزي على مقولته الساخرة «ان كانت خبرتهم السياسية اوصلتهم الى فنادق الرياض، فيالها من خبرة سياسية فذة». لقد أراكم الحوثيون خبرتهم السياسية، خلال سنوات التفاوض المفتوحة بين الطرفين منذ مؤتمر الحوار 2013، وأهم ما يميز الخبرة السياسية هي القدرة على قراءة وتوقع خطوة الطرف الاخر، وماهية الضغوط التي يمكن ان يمارسها أو قد تمارس عليه، وسنرى ذلك جليا في السويد 2018. كلا الطرفين ينجحان في المراوغة ولا يحققان تقدما في قدرتهما على اقناع الآخر وفي النسخة الاخيرة من المشاورات في السويد، التي حضرها الامين العام للأمم المتحدة، كان خالد اليماني وزير الخارجية- رئيس وفد حكومة هادي، قد أعلن انهم لن يقبلوا إلا بانسحاب كامل للحوثيين من ميناء الحديدة، ظهر اليماني غاضبا عشية الذهاب الى السويد، وبعد أيام كان يصافح رئيس وفد الحوثيين بحرارة فماذا حدث ؟ الاتفاق الذي ابرم لم يكن كما اراد اليماني، وفي تلك الغرف الدافئة تبين للحوثيين «وفد صنعاء» ان ضغوطا دولية تمارس على حكومة هادي، وبالأصح على السعودية، التي بدورها ضغطت على وفد حكومة هادي وفد صنعاء اخرج خبرته التراكمية، واستغل الفرصة، ويبدو ان هذا هو سبب استرخاء الحوثيين فيما يخص تفسير الاتفاق، وعدم التدقيق في التفاصيل، على خلاف عادتهم، فالأمر لا يحتاج الى ذكاء لمعرفة ان الرأي الدولي كان ذاهبا لعدم تسليم الميناء لحكومة هادي، فكان الحوثيون على ثقة من ان حكومة هادي وخلفها السعودية – الامارات لن تتسلم ميناء الحديدة، لهذا تم التوافق السريع على اتفاق سيحتاج بعد ذلك الى الكثير من التفسير والتوضيح والوقت لينفذ. كانت محاولات الاتفاق اليمني تسير في مسار مواز لتموجات أزمة صامتة بين عمان والسعودية ومعها الامارات، بدأت ملامحها تظهر قبل أشهر في الحدود اليمنية – السعودية. حيث تغلي الأمور هناك وتكاد تخرج عن السيطرة، ولا يشملها أي مشروع تفاوض. وقبل ان يظهر رئيس وفد الحوثيين غاضبا بعد 3 اسابيع من اتفاق السويد ليعلن ان المراقب الأممي لا يقوم بدوره، كان الأمين العام قد اتهم الحوثيين بالمماطلة، وعدم فتح المجال لدخول المزيد من المراقبين الى الحديدة – البحر الاحمر. محمد عبد السلام الناطق الرسمي للحوثيين، قال باقتضاب ان جماعته لن تقبل بتفسيرات المراقب الاممي لنص الاتفاق، وذهب الى تهديد مبطن للأمم المتحدة بان فريقه لن يناقش المزيد مما تود الامم المتحدة طرحه، ان لم يتدخل المبعوث الدولي لإيقاف عبث المراقب الدولي في الحديدة، كل هذا قيل في تغريدة قصيرة، لجماعة رأت ان العالم جاد بإنهاء حرب الحديدة. ان لدينا جماعة تضع قدمها على الارض، بمعنى الواقعية، وأيضا تضع يدها على الارض بمعنى القوة، وفعلا تعلمت كيف تمارس الضغوط. في المقابل تنتظر حكومة هادي ان تمارس مهامها في الميناء الأهم، برغم انها لم تقم بهذه المهمة في الموانئ التي لا تقع تحت سيطرة الحوثيين، نجزم انها متشوقة للممارسة سلطة مفقودة، اننا نتحدث على 90% من منافذ وموانئ اليمن تقع تحت سيطرة الامارات والسعودية، ولم يتحرر عن سيطرتها إلا ميناء الحديدة. ان ما يحدث في الحديدة مريب، فمجلس الامن يستعد لإصدار قرار لفرض المزيد من المراقبين الدوليين، بكامل اجهزتهم، هذا الحضور الدولي الجديد على اليمن، سيكون بابا جديدا للنزاع، حيث سنسمع قريبا اتهامات للجانب الاممي بالتحيز، او بأنه قوات محتلة. هل فعلا تخلت السعودية عن اطماعها القديمة في جنوب البحر الاحمر، لترحب بسيطرة قوة دولية تخرج الميناء من الصراع. ان السعودية تدرك ان بوابة البحر الاحمر التي تسيطر عليها اليمن ودول القرن الافريقي، تتحكم بحركة الملاحة الدولية، وموقع اليمن اهم من موقع السعودية، التي تفتقد اطلالة الموقع الاستراتيجي، وتبقى السعودية من الدول المتأثرة وليست المؤثرة، وهو ما لا يناسب وطموحها الساعي للسيطرة. طموح قديم منذ نشوء الدولة السعودية، في منتصف القرن الماضي، حيث سعى الملك السعودي للسيطرة على ساحل تهامة، وكانت اول الحروب للاستيلاء على ميناء الحديدة في ثلاثينيات القرن الماضي 1934 وقتها تصدت القوات اليمنية، وكانت الحرب مستعرة بين وريثي الحكم التركي في المنطقة المملكة المتوكيلة اليمنية والمملكة السعودية، استقوت السعودية بمساعدة بريطانيا، على المملكة الوليدة في اليمن بقيادة الامام يحي ، ولكنها لم تستطع ان تتغلب عليها، فبقي اليمن مسيطرا على ساحل تهامة وميناء الحديدة برغم تدخل القوات البريطانية لصالح السعودية ، وانسحبت السعودية من الحديدة، بتوقيع اتفاقية الطائف. اتفاق السويد 2018 يعيد الصراع الى مساحته الحقيقية، بين الدولتين الجارتين بقرار بريطاني، فلم نبتعد كفاية مذاك التاريخ، لتبرد الاطماع السعودية، التي تعود لتشتعل كلما شعرت ان اليمن في حالة ضعف، الحرب الحقيقية هي حرب سعودية – يمنية، أما الصراع الداخلي منذ 6 عقود فهو تفاصيل الصراع التاريخي بين الجارين. ما يحدث لليمن، حريق يمتد ليحرق المنطقة برمتها، ولحد الان لم تشعر السعودية بحرارة النيران تحتها. لكن لان الجزر المنفصلة تتحرك، وتحالفات اخرى بدأت تتشكل، وقوى جديدة تصعد، فنحن مقبلون على تغيير المعادلة على الارض، وليس فقط في الأجواء كما حدث بإدخال الحوثيين لسلاح جو جديد. هذه الحرب بدأت باتهامات بدعم ايران للحوثيين، وتتوجها باتهامات لسلطنة عمان بتهريب الاسلحة لهم مع كل مفاجأة عسكرية للحوثيين، حيث تقدم السعودية ذات العرض السيئ والخفة السياسية في التعامل مع جار ثقيل الوزن اقليميا، ومنافس حقيقي في مواقع صنع القرار الدولي.



