النسخة الرقمية

معالم مدرسة الشهيد الصدر العلمية والفكرية في كلام آية الله هاشمي الشاهرودي

ان استيعاب أبعاد عظمة هذا العالم الرباني العامل لا يتيسر لأحد في مثل هذه الدراسة العاجلة ولكن ذلك لا يعفينا من التعرض لأبرز معالم مدرسته العلمية والفكرية، التي أنشأها، وتخرج على أساسها جيل من العلماء الرساليين والمثقفين الواعين والعاملين في سبيل الله المخلصين.. رغم قصر حياته الشريفة التي ابتلاه الله فيها بما يبتلي به العظماء من الصديقين والشهداء والصالحين..واشتملت مدرسة شهيدنا الراحل على معالجة شعب المعرفة الإسلامية والإنسانية كافة. فهي متعددة الأبعاد والجوانب، ولم تقتصر على الاختصاص بعلوم الشريعة الإسلامية من الفقه والأصول فحسب، رغم ان هذا المجال كان هو المجال الرئيس والأوسع من إنجازاته وابتكاراته العلمية..فاشتملت مدرسته على دراسات في الفقه، وأصول الفقه، والمنطق، والفلسفة، والعقائد والعلوم القرآنية، والاقتصاد، والتاريخ، والقانون، والسياسة المالية والمصرفية، ومناهج التعليم والتربية الحوزوية، ومناهج العمل السياسي وأنظمة الحكم الإسلامي، وغير ذلك من حقول المعرفة الإنسانية والإسلامية المختلفة وقد جاءت هذه الشمولية نتيجة لما كان يتمتع به إمامنا الشهيد من ذهنية موسوعية وعملاقة، يمكن عدّها فلتة، يحظى بها تاريخ العلم والعلماء بين الحين والآخر، والتي تشكل كل واحدة منها على رأس كل عصر منعطفا تاريخيا جديدا في توجيه حركة العلم والمعرفة وترشيدها..ومن النقاط ذات الأهمية الفائقة في اتصاف النظرية، أية نظرية، بالمتانة والصحة مدى ما تستوعبه من احتمالات متعددة، وما تعالجه من جهات شتى مرتبطة بموضوع البحث. فان هذه الخصيصة هي الأساس الأول في انتظام الفكر والمعرفة في أي باب من الأبواب، بحيث يؤدي فقدانها إلى أن تصبح النظرية مبتورة، ذات ثغرات ينفذ من خلالها النقد والتفنيد للنظرية.وقد ظهرت هذه السمة العلمية، وهذه الخصيصة، حتى في أحاديثه الاعتيادية. فكان عند ما يتناول أي موضوع، ومهما كان بسيطا واعتياديا، يصوغه صياغة علمية، ويخلع عليه نسجا فنيا، ويطبعه بطابع منطقي مستوعب لكل الاحتمالات والشقوق، حتى يخيل لمن يستمع إليه انه امام تحليل نظرية علمية تستمد الأصالة والقوة والمتانة من مبرراتها وأدلتها المنطقية..ومن معالم فكر سيدنا الشهيد منهجيته الفنية الفريدة، والمتماسكة لكل بحث كان يتناوله بالدرس والتنقيح. ومن هنا نجد ان طرحه للبحوث الأصولية والفقهية يمتاز عن ما جاء كافة في دراسات وبحوث المحققين السابقين عليه من حيث المنهجية والترتيب الفني للبحث. فتراه يفرز الجهات والجوانب المتداخلة والمتشابكة في كلمات الآخرين، خصوصا في المسائل المعقدة، التي تعسر على الفهم ويكثر فيها الالتباس والخلط ، ويوضح الفكرة، وينظمها، ويحللها بشكل موضوعي وعلمي لا يجد الباحث المختص نظيره في بحوث الآخرين..وكما كان يميز بدقة طريقة الاستدلال في كل موضوع، وهل أنها لا بد وان تعتمد على البرهان أو انها مسألة استقرائية ووجدانية؟. ولم يكن يقتصر على دعوى وجدانية المدعى المطلوب إثباته فحسب، بل كان يستعين في إثارة هذا الوجدان وإحيائه في نفس الباحثين من خلال منهج خاص للبحث ، وهو منهج إقامة المنبهات الوجدانية عليه. وهذه نقطة سوف نواجهها بوضوح في دراساتنا الأصولية القادمة..ومن معالم فكر سيدنا الشهيد نزعته المنطقية والبرهانية في التفكير والطرح في الوقت الّذي كانت تلك المعطيات البرهانية تنسجم وتتطابق مع الوجدان وتحتوي على درجة كبيرة من قوة الإقناع وتحصيل الاطمئنان النفسيّ بالفكرة، فلم يكن يكتفي بسرد النظرية بلا دليل أو كمصادرة، بل كان يقيم البرهان مهما أمكن على كل فرضية يحتاج إليها البحث حتى ما يتعسر صياغة برهان موضوعي عليه كالبحوث اللغوية والعقلائية والعرفية، وهذه السمة جعلت آراء ومعطيات هذه المدرسة الفكرية ذات صبغة علمية ومنطقية فائقة، يتعذر توجيه نقد إليها بسهولة..لقد كان سيدنا الشهيد الصدر تحديا حضاريا معاصرا ، وكانت من مميزات مدرسته انها استطاعت التصدي لنسف أسس الحضارة المادية لإنسان العصر الحديث، وان يقدم الحضارة الإسلامية شامخة على إنقاض تلك الحضارة المنسوفة. وعلى أسس علمية قويمة وضمن بناء شامل ومتماسك ومتى استطاع سيدنا الشهيد من خلاله أن ينزل إلى معترك الصراع الفكري الحضاري كأقوى وأمكن من خاص غمار هذا المعترك ووفق لتفنيد كل مزاعم ومتبنيات الحضارة المادية المعاصرة، وان يخرج من ذلك ظاهرا مظفرا وبانيا لصرح المدرسة الإسلامية العتيدة والمستمدة من منابع الإسلام الأصلية والمتصلة بوحي السماء ولطف الله بالإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى