اراءالنسخة الرقمية

ركاكة العلاقة التبادلية بين الدولة ومؤسساتها

علي حسين عبيد
لم يذكر لنا التاريخ السياسي في العراق شيئا مفصلا عن العلاقة بين الدولة العراقية ومؤسساتها، لكن الجانب المؤشَر في هذا المجال، اكتساء مؤسسات الدولة بالضعف والخواء المزمن، وهذا ما جعل العلاقة المتبادلة بين الدولة ومؤسساتها مشوشة متأرجحة بين الثبات والضعف، وهي في الغالب تجعل المؤسسات خاضعة للسلطة فتسحب منها صلاحياتها لتصبح ذات طابع شكلي حيث يخضع القضاء والتشريع والتنفيذ للقائد الفرد، فتكون العلاقة التبادلية بين الدولة ومؤسساتها علاقة تابع لمتبوع وليس علاقة دستورية متكافئة. تأريخنا السياسي المنظور ينبئ عن تبعية المؤسسات الدستورية للدولة، مع أن الأصح توافر الاستقلالية التامة للمؤسسات، وهذا الشرط من الأساسيات التي تستند إليها الديمقراطية في أية دولة، إذ لا مناص من وجود مؤسسات دستورية قوية ومستقلة، تحمي الديمقراطية من عبث السلطة، والحكومات التي تحاول القفز على الدستور لتجعل منه إلعوبة بيدها أو عجينة تشكلها كما ترغب وتريد، وفقا لمصالحها، التي غالبا ما تكون بالضد من مصالح الشعب، فالسلطة غير الدستورية تهمش المؤسسات وتشكلها على وفق التصميم الذي يدعم مصالحها هي وليس مصالح الشعب، مع أن الجميع يعرف تمام المعرفة بأن الدولة بلا مؤسسات مستقلة تصبح صفراً على الشمال. وبهذا المعنى تكون المؤسسات الدستورية هي الداعم الاول للديمقراطية، ويمكن الجزم بأن قوة هذه المؤسسات، ودرجة استقلاليتها، تمثل معياراً دقيقاً لمعرفة نجاح التجربة الديمقراطية من فشلها، ونستنتج من ذلك، كلما ضعفت تلك المؤسسات وفقدت استقلالتها، كلما ضعفت الديمقراطية، وتحولت الى غطاء مزيّف تحتمي به الحكومات، وتزيّن به وجهها الذي غالبا ما يكون قبيحا عندما تكون العلاقة بين الطرفين (السلطة والمؤسسات) مشوهة. من البديهيات المتعارف عليها أن أية دولة لا تتمتع بالديمقراطية فهي واقعة تحت سلطة نظام قمعي، ولا وجود لتوصيف وسط في هذا المجال، أي من الصعب أن نقول أن هناك حكومة فردية أو حكومة يقودها حزب واحد بغياب المعارضة، يمكن أن نطلق عليها حكومة ديمقراطية ناجحة تعمل لصالح الشعب أو أنها حكومة تستند الى الشرعية الشعبية، لأن الفردية والدكتاتورية الحزبية، غالبا ما تبني نفسها من خلال التجاوز على الدستور، حتى لو تطلب الأمر، سفك الدماء وإزهاق الأرواح، فتلجأ إلى تصميم مؤسسات منقادة لها مهمشة وفاقدة للاستقلالية. لذا من أهم شروط الحكومات الناجحة، اقترانها بالمؤسسات الدستورية القوية والمستقلة، ومنحها الحصانة التي تحميها من نفوذ السلطة، لان هذه المؤسسات هي التي تحمي كيان الدولة وشرعيتها، فهل نحن في العراق نمتلك في نظامنا السياسي، مثل هذه المؤسسات الحامية للديمقراطية ؟ وإذا جاء الجواب بالايجاب، سيولد منه سؤال آخر يقول، هل مؤسساتنا الدستورية الحالية قوية ومستقلة، ولها القدرة الكافية على دعم التجربة الديمقراطية في العراق ؟، هذه الأسئلة الصريحة هي التي توضح لنا طبيعة العلاقة التبادلية بين الدولة ومؤسساتها في ظل هيمنة الطبقة السياسية الحاكمة على هذه المؤسسات. إن بعض وقائع ما يجري على الارض يشير الى أن بعض مؤسسات الدولة تعاني من تدخلات الساسة، لذا فإن مؤسساتنا الدستورية التي أَسِّسَتْ لدعم الديمقراطية وحمايتها، هي نفسها تعاني من مشكلة عدم الحماية، فكيف يكون بمقدور هذه المؤسسات أن تؤدي دورها الدستوري في ظل التدخلات، وطالما أنها لا تتمكن من حماية استقلاليتها، فإنها بالضرورة تكون غير قادرة على توفير الحماية القانونية والدستورية لغيرها، ولا احد من السياسيين العراقيين أو غيرهم يمكنه أن ينفي عدم استقلالية المؤسسات الدستورية، منذ بدأنا ببناء الديمقراطية الجديدة. ويمكن أن نجزم بلا تردد أن مؤسسات الدولة العراقية لا تزال ركيكة، وأن التدخل الحكومي يكاد يكون واضحا في عمل هذه المؤسسات، والمشكلة الاخرى التي تعاني منها مؤسسات الدولة العراقية، أنها هي نفسها مصدر إضعاف لنفسها، ذلك أن عدم أدائها لدورها في البناء الديمقراطي، يتأتى أيضا من عمليات الإضعاف التي تطولها ممن يقودها أو يعمل على إدارتها، مثالنا على ذلك مفوضية الانتخابات، وهي مؤسسة دستورية مهمة جدا، يُعدّ دورها من أهم أدوار تعضيد التجربة الجديدة، وبناء الدولة على أسس ديمقراطية، من خلال إقامة دورات الانتخابات النيابية، ومجالس المحافظات، لاختيار أعضاء الحكومة الاتحادية، والبرلمان، ومجالس المحافظات، وهذا دور جوهري لمفوضية الانتخابات، ولا يمكنها القيام بهذا الدور في حالة تعرضها لحالات التدخل والإضعاف، سواء من خارجها كالتدخل في استقلاليتها أو من داخلها. إن الدولة القوية المتقدمة ينبغي أن تقوم على علاقة تبادلية رصينة بينها وبين مؤسساتها، وخاصة السلطة التنفيذية وعموم العاملين في الميدان السياسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى