النسخة الرقميةثقافية

أنتارتيكا

حسين هيثم

استيقظتُ من حلمٍ طويلٍ جدًا، حيث شعرتُ كأنني كنت نائمًا عشرات السنين. ضرب عينيّ شعاع قويّ من الضوء مسلّط على جسدي بأكمله. فأردت ان احمي عينيّ من شدّة الضوء برفع يدي. لكنني لم اشعر بيديّ، لقد كانتا جافّتين تمامًا، وقد تحوّل الجلد إلى لون ورديّ متجعد. كنت نائما في كبسولة مستطيلة، مغموراً في مادة سائلة لزجة، وقد حُبِستُ في هذهِ الكبسولةِ لمدةٍ لا اعرفها. خفت كثيرًا، وشعرت بقلبي يضخّ الدم الحارّ من جديد في عروقي. ورائحة الهواء النقيّ تدخل رئتيّ. دنا منّي شخص يرتدي نظّارات بإطار ابيض محدّثًا إياي بصوت بطيء (سيّٰد وولف، قل بما تشعر؟) نظرتُ بصعوبةٍ إليه، محاولًا إستذكار لِمَ انا هنا؟ وِلمَ انا موضوع في كبسولة لحفظ البشر؟! حاولت تحريك لساني والتحدّث، وقد نجحت في ذلك قائلًا له (نعم، نعم. اشعر ببعض الجفاف في حلقي، وبرودة شديدة في عظامي. انني اتجمّد بردًا.) وكنت حينها ما ازال غاطسًا في تلك الكبسولة المقززة عاريًا تمامًا. سجّل صاحب النظّارات بعض الملاحظات، وقامَ بفحصِ عينيّٓ وفمي ولون بشرتي ولساني. وذهب مستدعياً شخصين آخرين قاما بإنزالي من الكبسولة. وقفت، بجسدًا يرتعش من البرد. قاومتُ عضلاتي التي تقلصت بطريقة مؤلمة، صابرًا على ألماً مفاجئًا ضرب رأسي. قاموا بجلب ملابس زرقاء لي، وألبسوني إيّاها. ثمّ وضعوا ايديهم تحت كتفيّ محرّكين إياي في الغرفة التي كأنها مختبر. مشيت ربع ساعة شارد الذهن. وفي الاخير امر صاحب النظّارات بأن اجلس على كرسيّ صغير جنبه مغذيّ. غُرِسَت الإبرة في يدي. وسكنت شاعرًا ببعض الطاقة تملأ جسدي. تحدث إليّ صاحب النظّارات (هل تتذكر ماذا حدث، ام اخبرك انا بنفسي؟) فقلت له مشدوهًا وشاردًا قليلًا (نعم، لا، لا. تحدث انت، انني لا اذكر شيئًا). فقال لي (انت السيّد ترانديد بيكمان وولف، من ولاية مارلـ…، ولدت في عام 1985، وانت الان في عام 2085)! تلك الكلمات الاخيرة، جعلتني اقفز من الكرسيّ مرعوبًا، مصدومًا، حتّى انني قمت بخلع إبرة المغذيّ بحركة غبية، ممّا جعلت الدم ينزف من يدي. نظرت إلى الشخص الذي لم اعرف اسمه حتّى الان قائلًا بصوت عالِ (ما هذا الذي تقوله، كيف اننا الان في الـ2085)؟! قال لي بهدوء ليس في وقته ابدًا (نعم، وما بك حملت كل هذه الصدمة في ذهنك)؟! سكنت قليلًا متذكرًا بعض الاحداث التي وقعت سابقًا. لقد كانت ايامي الاخيرة سيّئة جدًا. فقد وقعت احداث مأساوية، مأساوية لدرجة أنني امرت بإزالتها من ذاكرتي، ثمّ بحفظي في كبسولات الحفظ البشري إلى السنة التي اريد ان استيقظ فيها مجددًا. نعم، لقد امرت انا بكلّ هذا الذي يحدث الان، لكنني سأموت من البرد، البرد قارس جدًّا، هنا. رجعت جالسًا على الكرسيّ بهدوء شديد، فقام الدكتور كريستروف (نعم اسمه الدكتور كريستروف) بتعقيم جرح يدي وغرز ابرة جديدة وتوصيل انبوب المغذّي مرّة اخرى. بقينا هادئين لمدة طويلة، بينمل شعرت بجسدي يرجع للحياة شيئًا فشيئًا. كان احساسًا رائعًا حقًّا، ان تولد من جديد. قام الدكتور كريستروف بجلب كوبين من القهوة لكلينا، ثمّ امر ببطانية تدفىء جسدي الراعش بردًا. بعد شرب القهوة تحت سكون مطبق، قال لي الدكتور كرويستروف (هل تريد ان اتحدث قليلًا؟!) فهززت رأسي بإيجاب. فقال الدكتور كريستروف (في عام 2045 امست الارض صاخبةً جدًا، مليئة بالقذارة والبشر حدّ التضخّم السكانيّ. لقد إزداد عدد السكّان لاربعة اضعاف ما كانوا عليه، مما زاد من استهلاك الموارد النباتية والحيوانية بشكل مخيف جدًا. فبدأ العلماء ينتجون الاغذية النباتية والحيوانية في مختبرات عملاقة جدًا، وبكميات كبيرة جدًا. ممّا زاد من اضطراب التوازن البيئيّ في الطبيعة، وذوبان القطب الشمالي والجنوبي تمامًا. مخلّفًا اعاصير عملاقة ومغرقًا مدنًا بأكملها. سادت الفوضى في الارض كلّها، ممّا جعل بعض الناس يرقدون في كبسولات الحفظ حتّى إشعارًا اخر. هاربين من الموت، بالموت المؤقت. وكنت انت من احّد هؤلاء الذين اثروا البقاء هكذا، حتى الوقت الذي تستقرّ فيه الاحداث. هل تعرف كم عمرك الان)؟ فاجأني السؤال، فبقيت مفكرًا قليلًا ثمّ قلت له (اعتقد انّ عمري الان ستون سنة)! فقال لي ضاحكًا بصوت ازعجني قليلًا (لا يا صديقي، عندما ادخلت الكبسولة كان عمرك ستين عامًا، انت الان في عامك المئة سيّد وولف)! كان وقع الرقم على اذنيّ مليئًا باللذة، حقًا لا اعرف كيف يمكنني ان اوصف الشعور بأنني كنت في عمر المئة عام. نظرت إلى جسدي متعجبًا من انّه ما زال فتيًا، كأنني في عمر الثلاثين او الخمسة والثلاثين! فنظر إليّ الدكتور كرويستروف مبتسمًا، وقال لي (اعرف ماذا يجول في خاطرك الان، لكن لا تقلق. في هذه الكبسولة ”واشار بيده إلى الكبسولة“ كنت تتعالج ويصقل جسدك طوال المدّة التي كنت قابعًا فيها هناك. انت الان مولودًا من جديد حرفيًا.
والفضل يعود لانك اخترت هذا النوع من الكبسولات الباهظة الثمن جدًا، لكنها ارجعتك شابًّا من جديد. لقد قمت بعملٍ جيد حين…..)، نهضت شارد الذهن، مفلت الابرة من يدي. متّجهًا صوب الباب الزجاجي الذي فتح امامي، لقد تركت الدكور يتحدث وحده، ظاننّاً أنني اصغي إليه. لكنني اردت في تلك اللحظة ان ارى اين انا تحديدًا؟ وماذا جرى لي؟ فتحت الباب الزجاجي وخرجت، فلحقني الدكتور كريستروف راكضًا ورائي. امسك بيدي وقادني في ممرات ضيّٰقة بيضاء. كان العديد من الناس يستيقظون ايضًا من كبسولاتهم، العديد جدًا من الناس. مشينا لمسافة طويلة جدًا، وصعدنا درجات لأعلى كثيرة جدًا. ثمّ لمحت من البعيد بابًا يمزَقه الضوء بصورة مدهشة. تركت يد الدكتور وصعدت السّلالم ثلاثاً ثلاثًا. وعندما وصلت إلى الباب لم استطع تحمّل كميّة الضوء التي ضربت عينيّ. فبقيت أعمى قليلًا، ثمّ تعوَدت عينيّ على الضوء بعد ذلك. نظرت حولي اخيرًا، وقد شعرت بموجة من الدهشة لا تصدّق. لقد كنت في سفينة طوال هذه المدّة. لا، انها ليست سفينة! دنى منّي الدكتور كرويستروف محدّثًا إياي (بلى، أنها سفينة. سفينة كبيرة جدًا. لقد بقيت على متن السفينة طوال هذه المدّة كلها. ونحن الان متّجهون إلى البقعة المخصصة لكم، لتعيشوا عليها من جديد). نظرت مشدوهًا بكلامه وبحجم السفينة. بقيت صامتًا، وقد اتّجهت صوب اليسار حيث استطيع بلوغ سياج السفينة.
مشيت حتّى اصل إلى هذا السّياج اللعين مدة متعبة جدًا، شاعرًا ببردًا لا يصدّق. انحنيتُ على السّياج متلذذًا ببرودة الحديد التي ضربت لحمي. لقد كنت اشعر، وهذا جعلني اضحك بسرور. نظرت إلى الدكتور كرويستروف مبتسمًا، وقلت له (والان، إلى أين نحن متّجهون)؟ فقال لي (إنّنا متجهون إلى انتارتيكا). فقلت له مذهولًا (ماذ! إلى انتارتيكا؟! وما هذه الانتارتيكا)؟! صمت قليلًا الدكتور كرويستروف، ثمّٰ قال وكأنه قد نسي شيئًا (انني اعتذر، لقد نسيت الوقت الذي كنت فيه، اقصد اننا متّجون إلى القطب الجنوبي)! قلت له وانا في غمرة ذهولي، وقد ذهلت بمنظر للحيتان العملاقة يكتسح سطح الماء (ولكن، ولكن كيف نعيش في البرد القارس، والغذاء؟! لكن، لا، لا، هل حقًا تريدون منّا العيش في القطب الجنوبيّ)؟! ضحك الدكتور كرويستروف بصوتٍ عالٍ، مما اثار حنقي. لكنه قام بسحبي من يدي وأمر سيّارة صغيرة ان تقف. ركبنا في السيّارة متّجهين إلى مقدمة السفينة. وعندما وصلنا، نظرت بدهشة لا يمكنني تحمٰلها، لقد رأيت امامي يابسة. نعم يابسة فقط. لا يوجد ثلج ابدًا. وهناك على هذه اليابسة ابراج وبنايات عملاقة عديدة. نظرت إلى الدكتور كريستروف ذاهلًا، فقال لي (مرحبًا بك في العالم الجديد).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى