النسخة الرقمية

الحياء..يبني الشخصية أو يهدمها ؟

أولى الإسلام عناية بالغة بتزكية الفرد والجماعة، ودعا إلى الاهتمام بالأخلاق حتى جاء على لسان الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله): (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)..وما تفتقر إليه المجتمعات الإسلامية في العصر الحاضر ليست الجهود المركزة لبيان العقائد الصحيحة، فمئات الكتب والأبحاث والدراسات، وبلغات عديدة، تملأ الفراغ في هذا الجانب. وكذلك قلما نجد قصوراً في إثراء الفكر الفقهي بالجهود والتحقيقات والدراسات القيمة، ولكن القصور في معالجة الجانب الأخلاقي لا يزال واضحاً وملموساً بجلاء من هذا المنطلق، نحاول معالجة بعض الموضوعات الأخلاقية التي نرجو أن تعيننا على بلوغ الهدف الأسمى من الرسالة، والسمو بالنفوس إلى عالم الفضائل..فالحياء أ هو نقطة قوة في الشخصية أم نقطة ضعف؟ هل يبني الشخصية أو يهدمها؟ وأخيراً هل ينبغي أن نقوي هذه الخصلة أو نعمل على التخلص منها؟إنه شعور بالانفعال والتأثر النفسي نتيجة الخوف من اللوم والتقريع من الآخرين، وقد يشترك مع الخجل في كثير من المظاهر والآثار..وهذه الحالة النفسية التي تقترن بالإحجام والكف عن القيام بشيء، لها درجات خفيفة وشديدة، ولكن يمكن أن نقسمها بصورة عامة إلى ما هو محبذ وما هو مذموم، وبهذه المناسبة نستأنس بحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الحياء حياءان، حياء عقل وحياء حمق، فحياء العقل هو العلم، وحياء الحمق هو الجهل) إذن قد يقترن الإحجام والخوف من التقريع بما يبني الشخصية ويحصنها من الانزلاق والتلوث فيكون نقطة قوة، وحياء عقل، وقد يقترن بالخجل المفرط وعدم الجرأة على التعبير عن الحق فيكون عاملاً لهدم الشخصية ويكون بالتالي نقطة ضعف، وحياء جهل..فهناك نصوص دينية عديدة تربط بين الحياء والعفة. ولا تخفى علينا أهمية العفة في سلوك المسلم، حتى أن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يرفع بالعفيف إلى مستوى يستحق به صحبة الملائكة حيث يقول:(ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجراً ممن قدر فعف، لكاد العفيف يكون ملكاً من الملائكة) ..وهنا تظهر أهمية دور الوالدين في تنمية هذه الملكة عند الأطفال. على الوالدين أن يعوّدا طفلهما على الحياء منذ الصغر، وأن يفهماه قبح الاستهتار واستياء الناس من المذنب، وبهذا يستطيعان أن يقفا أمام انحرافه وخروجه عن القانون.إن الحياء المذموم (أي الخجل المفرط) من الصفات الذميمة، وأساس ذلك هو ضعف الشخصية وعقدة الحقارة،وقد عبر الرسول الأعظم عن ذلك بحياء الحمق والجهل..وهذه العقدة قد تنشأ من سوء التربية، وقد تستند إلى العيوب الطبيعية أو النقائص الاجتماعية..فإن الجانب الكبير من الأمراض النفسية والشعور بالحقارة ناشئ من سوء التربية في دور الطفولة، فقد يترك السلوك الأهوج للوالدين في نفوس الأطفال أثراً سيئا إلى درجة أنه يصيبهم بالضعة والدونية ويظلون يتجرعون النتائج الوخيمة لذلك مدى العمر،وأفضل الأساليب المقترحة للوقاية من هذا المرض هو التربية الصحيحة التي تعتمد على التفرقة بين الحياء الذي يبني الشخصية والذي يهدمها، والعمل على تقوية الجانب الإيجابي وجعله منسجماً مع أصول التربية الإسلامية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى