النسخة الرقميةثقافية

نص «تعالي أقبّل كحل عينيك» أو: حين يهدل الجرح بأطياف المُلهمة

احمد الشيخاوي ـ المغرب

 

(ملوحاً بالرحّيل، مضيئاً كوجه الله، وفارعاً كقامتها، وباسقاً كطلتها النبيّة، وندياً كصوتِها المبلّولِ بِقُبلةِ الحياة، تقولُ هل يُزعجُك المَجيءُ، تَصوّروا صارَ يؤرقُها المَجيءُ، وصِرتُ أموتُ حين تغيبُ ويحترق البحر، تصوروا، غيابُها يَقُتلُني، حتى تَجيءْ.. أناديها الآن تَعالي، فلا تَجيءُ، وصارَ يَقُتلُني المَجيءُ، تَصوّروا يقُتلُنّي المَجيءْ..).

يصرّ الشاعر العراقي عبد الجبار الجبوري على الرّكض خلف ليلاه الرمزية، مصورا لنا، كيف يبتلعها سراب الوجود، وتتقاذفها زحمة الحياة، واكتظاظها بالمفارقات والمتناقضات التي لا يمكن إلّا أن تدوزن أوتار القلب، وتشتعل لها الأنامل عاشقة، راشقة بمعاني الهوية والانتماء.

بحيث، وعند تقاطع تجربتين، يمكننا أن نجني قطوف هذه الهامة وهي تكابد سرنمة أو برزخية التغزل بأطياف ملهمة، تتحوّل وتتقلّب في أقنعتها، كي تصبغ المعاناة برمزية أبدية، تستجلب كامل هذه الفوضى الكتابية في انبثاقها من مشتل يربي فيه، شاعرنا معنييْن، بحرص وعناية بالغة: معنى أن تستفيد من دروس السندبادية التي لقّنها إياك المنفى، ومعنى أن تستسيغ ورطة الوطن، على سجيتك، لا كما تحاول أن تسوّق لك أبواق الكذب، بل مثلما تشتهي أنت، لائذا بشتى التفاصيل التي تفتي بها تضاريس ليلاك الرمزية، بالطبع، كونها وحدها، وهي تمارس عليك غنجها المترع بطقوس كرّ وفرّ الأطياف، تلهمك كيف تتنفّس في أدغال هذا اليباب، وتتجاوز سائر هذا الحطاب، محافظا على نبضك الطبيعي، متشبثا بالحلم الذي تحمّلت جور الوطن والمنفى ،كلاهما ، لأجله،مزدانا بحضور ليلاك، ساكنة ومسكونة أيضا.

(كم يُحبُّها حَرْفيْ، وكَمْ تُقدُّسّها قصائدي، وكَمْ يعشقُها وجَعي، يا ليتَها تدري،أعترفُ، إنها ترحلُ في قصائدي، كموجةٍ، تهربُ شفاهُها من فَمي، فأين أهرب منك، وصرت شغاف قلبي، وحارسة روحي، ورائحة أيامي، ونكهة حياتي، حياتي البلا عينيك (ما تسوى فلس أحمر)، هكذا تتقدّس في كلماتي، حينَ تُصافحُ يدُها كفَّ قلبي وأنتشي برائحةِ القُبَل..).

لا يتوانى شاعرنا في إقحام سياقات تثوّر في إدراكنا مخزونا ودفينا، قد يضعنا ضمن حدود مواجهة عارية ومكشوفة، يستفد منها مدى تفريطنا في هويتنا، فيؤثث المشهد بوقفات ينهل فيها من الشعر الشعبي، منتجا أبعادا أخرى وموازية للخطاب الواجهي المستنبط من القصيدة.نجد الشاعر عبد الجبار الجبوري، وقد بات أكثر تمسكا ، بإرسالية الجملة القصيرة، متسربلة بتقنية تكثيف الصور، وهي تراكمية تعكس غبنا ذاتيا، تفرضه المرحلة وتمليه الحاجة إلى فلسفة جديدة، ليس يجود بها سوى قلب مثقوب للغاية، يثرثر بمثل هذا السيل من الانزياحات، مقترحا ما يشبه الطلسمة التي هي بمثابة لبوس لأفق ينقاد إليه المخيال، كي يدشّن عبره خطى الانتصاف لإنسانية الكائن، المهدورة والنازفة، بفعل راهن الإيديولوجيات العابثة والعدمية الآخذة بشطب القرار والمصير من أيادي الشعوب، وكيف أنها تلاقي ما تلاقيه، تواقة إلى مستقبل مشرق يليق بما يترع الذاكرة العربية من أمجاد،تباهي بها الحضارة الإنسانية ككل.

(آهٍ يا غصنَ قلبي ما أجملك، فأصابعُ الغيمةِ، لا تُمطرُ على الشِّفاهِ إلاّ عسلاً، ولا تُضيءُ نجومُها إلاّ قُبَلاً، ولا يطلعُ قَمرُها إلاّ منْ فَلكِ أزرارها، اسمحي ليْ أيتّها الوردةُ المُشتّهاة، أنْ أُمزّقَ ستائرَ الشوّق كي يورقَ السراب، ودعيني أفكُّ أزرار الظّلام، ويبدأُ هديلُ الحَمام، أطلقي أسارَ حَرفي، ودَعيّه يَمشي مَلكاً، وارحلي في مَعَمعة القَصيدة، أنا بُحّةُ صوتِك المخنوق، أنا وجعُ اليَقطين في براريك المُقفرّة، أنا حنينُ يديكِ العاشقتين، تلكَ التي صافحْها قلبي ذات يوم، وقَبّلّها ذاتَ يوم، وهربَ من حضنِ ليلِها ذاتَ يوم، أُحبّك وأُحلمُ، كُحلَ عَينيك، ووجعَ كلامِكِ، وليلَ سهركِ، وأناقةَ ثيابكِ السوداء، التي لا تليقُ إلاّ بقامتكِ الفارعة، واحمرار وجهك ،الذي يُضيءُ حلكة حياتي، وشبقَ روحي ،روحي التي تهفو لِلَثمِ فَمِ أيّامكِ البعيدة، وسمائكِ الوحيدة، قلتُ لكِ، دَعي شفاهي تُثرّثرُ وتلهجُ باسمك، ليهطلَ من شفاهِكِ المَطرْ).

توقيعات لاهثة محمولة على روح معنى الانكسار النرجسي، ومناورات بالجملة في مضارب القلب الذي تتربّع عليه، أميرة بمواصفات خيالية ومثالية تماما، ليلى الرمزية، الأقدر على فهم شاعر من هذه الطينة المنذورة للانشطار بين منفييْن، جواني سحيق يبصق تعاليمه، الجرح الغائر، كي يؤجج صوت الثورة الهامسة ،وهي ترجم الخونة وسدنة العجز السياسي، وهم يباركون القوافل المتناوبة على ذبح الوطن.ثم معنى مغرق في تجليات تلكم الملهمة، متقلّبة في أطيافها، وهي تقدّم وظيفة ظاهرية، تكمن في الإسقاطات التي قد نستعيرها من وطن مطعون في هويته، ومحتاج جدا لكتابة غزل نيوكلاسيكية تتناغم وتحديات المرحلة المنقوشة بدم واهتزاز، كأقصى ما يمكن أن تثقل به، على الذات المنكسرة أصلا، فصول معاني الجنائزية والدموية والإضطراب، مذيلة بطور نقاهة يزهر معه شعر البصيرة، وهو ينفض غبار الذاكرة الأصولية، عن مرايا جيل اختار عدم المساومة في شقّ دروبه نحو الخلاص وأفق البديل، بديل صناعة القرار والمصير.ذلك، حين يثرثر الجرح، يهدل بأسئلة الهوية والانتماء، معطيا الانطباع، أنّه من خلال ذات تشاكس عزلتها الإبداعية، يُغازل بشوقيات البرزخية، متوجّها صورة ولغة وإيقاعا، إلى مسرح الأنثوي مختزلا في الرمز (ليلى هنا في تركيبية ما تحيل عليه من دوال)، ذلكم المختزل القادر ولو نسبيا، على خلخلة المفاهيم فيما هو لصق بفعل أو ممارسة استنطاق التابو والمنوَّم في  الذاكرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى