تتويج المنتظَر وتكليف المنتظرِين
بعد شهادة الإمام العسكري (عليه السلام) في 8 ربيع الأوّل 260ﻫ، توّج ابنه الإمام المهدي (عجل الله فرجه) بتاج الخلافة والإمامة للمسلمين في 9 ربيع الأوّل 260ﻫ..وكان أوّل مهامه بعد تسلّمه الإمامة الصلاة على أبيه الإمام العسكري (عليه السلام) في داره، وقبل إخراج جسده الطاهر إلى الصلاة الرسمية التي خطّطتها السلطة الجائرة آنذاك، وكان ذلك أمراً مهمّاً في إثبات إمامته المباركة، حيث لا يصلّي على الإمام المعصوم إلّا الإمام المعصوم..وهذه المرحلة التي تعني بداية إسدال الستار على الحلقة الأخيرة من حلقات تحقيق الهدف العظيم الذي بعث لأجله الأنبياء والأوصياء. وعندما نتحدث عن هذه المناسبة الجليلة – تتويج الإمام المنتظر- فليست الغاية من ذلك هو إكتشاف نبوغ الإمام المتوج وإظهار إبداعه وبيان منزلته والتغني بآثاره وأمجاده فحسب بل الغاية أبعد والهدف أسمى من ذلك وتحقيقهما لا يكون إلّا عن طريق تحويل تلك الأدوار الزاخرة بكل ما هو سامٍ إلى طاقة جديدة وقوة محركة للحياة من خلال ما تركه لنا عليه السلام من معطيات عديدة للإنطلاق على مختلف مفاصل الحياة. إن الحديث عن تتويج الإمام عجل الله فرجه يعني الحديث عن آلية قيامه بأعباء المهمة العظيمة ومحاولة الوقوف على طبيعة تلك الآلية وما ترتب عليها آنذاك وما سيترتب مستقبلا خصوصا وإن هذه المهمة ستتخذ مسارا في أول يوم لولادتها يحتم عليها غياب قائدها والقيام بها بصورة غير مباشرة مما يزيدها صعوبة وتعقيدا و يجعلها عرضة أكثر لمرامي المنتفعين والحاقدين. لذا تحتاج إلى إثبات وجود القائم بها وإثبات أحقيته. ومن الواضح إن الإمام عليه السلام وفي بداية المهمة وما تحمله الظروف أنذاك من مخاطر وملابسات عمد إلى مواجهة من حاول إغتصاب مقامه الشريف علنا حينما قال له: (تنح يا عم فأنا أحق بالصلاة على أبي منك) ولم يهادن عليه السلام أو يجامل أو يميع الأمر حفاظا على أداء التكليف وصونا للمقام الرباني الذي تحفظ به الشريعة وغير مبالٍ بمن يتهمه بالصغر والأنا وبقية الخزعبلات. بعد ذلك مارس الإمام وبطرق أخرى أحقيته بالقيادة لينصرف إلى أداء تكليفه غائبا عن القواعد الشعبية معتمدا نظام السفراء معلنا غيبته الصغرى. وبكل تأكيد إن الإمام عليه السلام يعلم جزما ومن قبله آبائه عليهم السلام خطورة هذه المرحلة لأنهم بكل تأكيد يدركون جيدا إن غياب القائد يعني تشرذم القاعدة وبالتالي أولوا عناية خاصة وفائقة لهذا الأمر من خلال التمهيد المكثف له مروضين الأتباع بصورة تدريجية على أن غياب القائد حقيقة آتية وبالنتيجة تستقبله القاعدة بشكل طبيعي. وعندما حان الوقت المناسب لهذه الحقيقة أخذت دورها في الواقع وإن حاول البعض الإيهام والتشكيك والرفض لها إلا إن الحجة قد تمت وأُلزم بها الجميع ولا مناص من قبولها والإيمان بها والإلتزام بكل ما يصدر من القيادة الغائبة عن طريق وكلائها. إن الصعوبة والخطورة في هذه المرحلة الشريفة – الغيبة الصغرى – قد تكاد تتلاشى وتقل وطاتها إذا ما قورنت في مدة إنتهائها وبداية إعلان الغيبة الكبرى وذلك بسبب إنتهاء فترة تعيين الوكلاء بصورة شخصية وبداية التعيين النوعي الذي يتطلب من القاعدة البحث عن الوكيل والنائب عن الإمام في غيبته هذه وهذا الإختبار واقعا أصعب بكثير مما كان عليه الحال في زمن الغيبة الصغرى. وهذا الأمر يدعونا إلى الجد والإجتهاد في تطبيق وصية الإمام الغائب عجل الله فرجه حينما أوعز للأمة بإتخاد الخط المرجعي سبيلا للتمسك بطاعته والإلتفاف تحت رايته عليه السلام..وبذلك عندما نستذكر التتويج نستذكر عصرنا الراهن وما يترتب علينا من تكليف أزاء إمامنا المتوج الغائب مجتهدين في إثبات وترجمة البيعة والولاء للإمام المنتظر عليه السلام من خلال التمسك والإقتداء بالفقيه الجامع للشرائط والذي ثبت في محله بأنه النائب العام للإمام المعصوم وصاحب الولاية وحامل راية القيادة.



