اراءالنسخة الرقمية

انتصروا للحشد كما نصركم

محمود الهاشمي
تعد التعبئة الشعبية واحدة من المظاهر الوطنية التي تعتمدها الدول في حال تعرضها للطارئ من الأمور ، سواء كانت حربا أو كوارث طبيعية وغيرها ، والدول التي اعتمدت التعبئة الشعبية كان النصر حليفها لأنها اعتمدت المخزون الشعبي وذخيرة الأمة في ظروفها الصعبة ، وغالبا ما تكون التعبئة مقرونة بالنصر لأنها تمثل قلب الامة وضميرها الحيوي النابض،وحين تُستدعي للطارئ من الامور فهذا يعني أنك استدعيت الامة لتمثل وجودها وحضورها ، لذا فعندما نقول في الدعوة الى التعبئة فهذا يعني ان أمراً جللاً وقع وان خطراً يهدد مصير الأمة . الأمثلة على النصر الذي تحقق على يد التعبئة كثيرة وخاصة في حروب التحرير ، إذ تغيب الإعمار والمواصفات العامة للمقاتل وتحضر الروح المعنوية لقتال المستعمرين وسواهم كما في ثورة العشرين في العراق وتحرير الجزائر والحرب الفيتنامية وحرب التحرير في الصين. ان أقوى وأشجع أنواع التعبئة هي التي تكون دوافعها دينية وطنية ، إذ تُستحضر العقيدة الدينية والوطنية لتشكل جذوة لمعاني القوة والانتصار ، كما في تعبئة (الحشد الشعبي) في العراق ، فبعد ان تعرّض الوطن الى أمر جلل وخطر هدد مصير البلد، ولم تقوَ القوات النظامية على مواجهته وقد بات على مشارف العاصمة بغداد ، كانت فتوى (الجهاد الكفائي) التي اطلقتها المرجعية الرشيدة في حزيران من عام ٢٠١٤م تحمل صورة المجد والأصالة والإيمان لهذا الشعب الذي سرعان ما انطلقت أفواج الشعب ملبية النداء ، وحاملة السلاح لتهتف (لبيك يا وطن) فآزرهم الجميع بما استطاع من مال وطعام وكسوة ، حتى كان الرغيف يصلهم ساخناً الى الخطوط الاولى للقتال مع الارهاب ، فأيدهم الله بنصره واستعاد الجيش قواه المعنوية فكانت ضربة قاصمة للإرهاب وأعوانه في الداخل والخارج . لما كانت التعبئة في وصفها انها عامة وتستدعي الجميع للمشاركة فقد شهدنا الرايات المطرزة بأسماء الأنبياء والأئمة الاطهار والعناوين الاسلامية السامية ، يقاتل تحتها الصغار والكبار، الصبي والشيخ ، المعمم والطبيب والمهندس والمعلم والحرفي والأمي ، فيما كانت العديد من الأمهات توجد في الخطوط الخلفية لإعداد الطعام للمقاتلين الذين سطروا ملاحم لا يفقه معانيها إلا الذين خاضوها ولا يعرف مرارتها إلا الأعداء وهم يواجهون زحفا إلهيا مؤيدا بروح الشعب . حين استجاب العراقيون لنداء الجهاد وأعلن الوطن التعبئة ، لم يسأل أحد من المقاتلين عن امتياز وراتب بل ودعوا أسرهم من أجل نصرة الدين والوطن . لا شك اننا بحاجة الى أمثال هؤلاء المقاتلين لأنهم الخُلّص من أبناء الشعب ، فالجود بالنفس أقصى غاية الجود وديمومة وجودهم في صفوف القوات الأمنية يمثل ديمومة لجذوة النصر وحرارة القتال ومعنى الأمانة أسوة في كل الدول التي اعتمدت مبدأ التعبئة، وكجزء من الوفاء لهم ان نقدمهم على أنفسنا في جميع الأمور فمثلا في فيتنام مازالوا هم رجال ساستهم وبناة حضارتهم والمقدمين على الآخرين في كل محفل . بعد انتهاء المعارك الكبرى مع الارهاب ، عاد الأغلب من المتطوعين الى مواقع عملهم ، ولم يبقَ سوى الفتية الذين يَرَوْن انهم في حاجة ان يواصلوا خدمتهم للوطن كمقاتلين في صفوف القوات الأمنية ، وصدر لهم قانون خاص من مجلس النواب يضمن حقوقهم أسوة بقوى الجيش الاخرى ، لكن وللأسف مازال ذوو العقول الضئيلة والنفوس الضعيفة يفاخرون بأنهم منعوا الحشد من الحصول على حقوقه ارضاءً للسفارة الأميركية ولأعوانها من دول الخليج وغيرهم علّهم يحصلون على المزيد من (الولايات). ان يصل الامر الى ان منتسبي الحشد يخرجون بتظاهرة أمام المنطقة الخضراء للمطالبة برواتبهم وتهاجمهم حراسات المنطقة الخضراء وتحرق خيام اعتصامهم تعد انتكاسة كبيرة على العملية السياسية برمتها وللوطن ايضاً ، ثم ليستمر (النكران) لحقوق هذه الجموع المؤمنة ان الحكومة السابقة تؤخر حقوقهم الى آخر ساعة من عمرها وتكتب (لا توجد أموال في الموازنة لرواتب الحشد الشعبي) يا له من خذلان ونكران ونكوص ، اننا استكثرنا على ابنائنا المُضحين راتبا هو الأقل بين الرواتب والأقل بالامتيازات !! كيف لنا ان نصنع وطنا ونحن نُجَازِي الاوفياء الذين لولاهم لم يبقَ بيت لم يحرق ، ولا مال لم ينهب ولا عرض لم ينتهك ؟! اي نموذج سنطرح أمام أجيالنا المقبلة ؟ هل نعرض عليهم فقط الفاسدين الذين صنّفوا العراق الثاني عالميا في الفساد ،وأماتوا الحياة وعطلوا الابداع ودمروا البلد ؟ كان علينا ان لا نتسلم أجورنا حتى نتأكد ان أبناء الحشد قد استلموا حقوقهم ،ولا نزور مرضانا حتى نعود من مرضاهم ولا نتفقد أسرنا حتى نتفقد أسرهم . لقد خذلناهم ويبدو اننا اعتدنا ان نخذل ابناءنا المُضحين ورجالاتنا وفرساننا من قبل . أقولها بصراحة ليس بعراقي من ينكر حقوق الحشد وليس بوطني من ينكر حقوق الحشد وليس بحسيني من ينكر حقوق من قاتلوا تحت راية (لبيك يا حسين) وكل حكومة لم تفِ بحق هؤلاء الأبطال هي باطلة وخائنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى