د. عبد الواحد ذنون طه وحديث عن الذكريات وعرب الأندلس العراقيون لهم باع طويل في علم التاريخ العربي.. والفتوحات الإسلامية نقلة حضارية

المراقب العراقي/ أبو الحسن الجمال ـ مصر
زار مصر مؤخراً المؤرخ العراقي الكبير الدكتور عبدالواحد ذنون طه أستاذ التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية (تخصص المغرب والأندلس) في جامعة الموصل، هذا الرجل الذي أثرى حياتنا الثقافية وسجله مشرف ومعروف للجميع في الشرق والغرب، وقد شرّف أمته في المحافل الدولية، وعمل بالعديد من الجامعات العربية والأجنبية، وحصل على مظاهر التكريم في بلاده وخارج بلاده، كما أمدَّ المكتبة العربية بالعشرات من الكتب التي دلّت على موسوعيته وتفرده وامتلاكه أدوات البحث وحيادته في تناول الموضوعات، كما كتب مئات الأبحاث والمقالات في كبرى الدوريات والمجلات المتخصصة والثقافية.
وقد التقيته وأمضيت معه يوماً كاملاً في العديد من أحياء القاهرة، وتجاذبنا معه أطراف الحديث في موضوعات شتى وكان هذا الحوار. تطرقنا من خلاله إلى نشأته وكيف كان لها الأثر في حياته العلمية فيما بعد، كما تحدث معي عن دور مدرسة العراق التاريخية وأعلامها البارزين، ورحلته مع الأندلس، وموضوعات أخرى سوف نطالعها في هذا الحوار، ومن يُمن الطالع أن يبلغ الدكتور عبدالواحد سن 75 عاما، فاحتفلنا معه بعيد ميلاده الماسي، وكان يوماً مشهودا بحضور شريكة حياته التي تلازمه كظله في كل مراحل حياته، إنها السيدة الفضلى المربية الفاضلة السيدة أم أشرف، وإلى نص الحوار:
النشأة وأثرها في الحياة العلمية
* حدثنا عن النشأة وكیف كان لھا الأثر في حیاتك العلمیة فیما بعد؟
ـ مولدي في أربعينيات القرن العشرين، بالتحديد سنة 1943. في أسرة متوسطة الحال في مدينة الموصل. وكان الوالد يمتلك محلاً صغيراً لبيع المشويات، ولا سيما الكباب المعروف في الموصل، وقد ورث مهنته هذه عن والده السيد طه، وجده السيد عبد الله الكبابجي، الذي كان رئيساً لهذا الصنف في الموصل. أما الوالدة فكانت ابنة رجل تاجر في سوق الحنطة بباب الطوب، يعرف ب (سلو أحمد العلاف). لم تكتمل الحياة بشكل رتيب، فقد شاءت الأقدار أن تصاب الوالدة بمرض عضال، لم يمهلها كثيراً، وأودى بحياتها بعد ولادتي بنحو أربع سنوات. ومن هذا الوقت أخذت حياتي تسير بنمط جديد، حيث تولى رعايتي أخوات والدي. وكانت إحداهن قد نالت قسطاً جيداً من التعليم، فأكملت دراستها الثانوية في الموصل، ثم في معهد عالٍ ببغداد، لترجع ويتم تعيّنها معلمة للتدريس في المدارس الابتدائية. فساعدتني على أن ألتحق بالدراسة الإبتدائية، وبفضل منها وتشجيعها المستمر تنقلت في مراحل الدراسة، حتى أكملت الثانوية في الموصل، وإلتحقت بجامعة بغداد لاستكمال تعليمي العالي، وأرى لزاماً عليّ أن أسجل هنا أنني لولا دعم واحتضان وتشجيع هذه العمة – رحمها الله- ما كنت وصلت إلى ما وصلت إليه.
* ما الدوافع التي جعلتك تختار مجال التاریخ وعلاقتك بأساتذتك في العراق وخارج؟
ـ يعود سبب اختياري لقسم التاريخ في كلية التربية بجامعة بغداد، إلى حبي لهذه المادة منذ الدراسة الثانوية، وإعجابي بمدرس التاريخ المرحوم الأستاذ صديق إلياس، وطريقته المشوقة في توصيل المادة التاريخية للطلبة. وهكذا انقضت سنوات الدراسة الأربع في بغداد، وكنت متفوقاً فيها، حتى أنني أخذت مادة الشرف الإضافية في مرحلتي الثالث والرابع. ونظراً لارتفاع معدلي عُينتُ سنة 1965 مدرساً في التعليم الثانوي بمدرسة قريبة جداً من الموصل، هي ثانوية تلكيف للبنين. قضيت في هذه المدرسة نحو خمس سنين، ثم نُقلت إلى متوسطة ام الربيعين بمركز مدينة الموصل.
لم ينقطع اهتمامي بالبحث التاريخي خلال تلك السنوات الست، وبقيت أترقب الفرص لإستكمال دراستي العليا، إلى أن جاءت الفرصة بالموافقة على منحي إجازة دراسية لإستكمال دراسة الماجستير في قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة بغداد سنة 1971. وانطلاقاً من هنا ابتدأت مرحلة جديدة من حياتي ،هدفها التعمق والإستمرار والتدريب على البحث العلمي في التاريخ.
جهود مدرسة التاريخ الإسلامي في العراق وأهم روادها
* كیف ترى جھود مدرسة العراق فى التاریخ الإسلامى وأھم أعلامھا في العصر الحدیث؟
ـ من حسن الحظ كانت جامعة بغداد تزهو في عقد الستينات والسبعينات بعمالقة المؤرخين المعروفين الذين تتلمذت على أيديهم، ونهلت من رحيق علمهم. ويأتي في مقدمة هؤلاء المرحوم الأستاذ الدكتور صالح أحمد العلي، الذي تشرفت بمناقشته لي في رسالتي للماجستير. ومن أساطين مؤرخي مدرسة العراق المرحوم الأستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري، من رؤساء جامعة بغداد السابقين، لكنني لم أحظَ بالدراسة على يديه، لمغادرته العراق إلى الأردن. ومع ذلك ربطتني به صداقة قوية بعد رجوعي من بريطانيا وحصولي على الدكتوراه، حيث كنا نلتقي في العديد من المؤتمرات العلمية، وأزوره بانتظام كلما ذهبت إلى عمان. ومن أعلام المؤرخين في كلية الآداب بجامعة بغداد المرحوم الأستاذ الدكتور ناجي معروف، وهو الذي أشرف على رسالتي للماجستير، والمرحوم الأستاذ الدكتور فيصل السامر، والمرحوم الأستاذ الدكتور جواد علي، والمرحوم الأستاذ الدكتور حسين أمين، والأستاذ الدكتور فاروق عمر فوزي، والمرحوم الأستاذ محمد توفيق حسين. كل هؤلاء، وغيرهم، أعتذر عن ايراد أسمائهم لكثرتهم، كان لهم باع في مدرسة التاريخ الإسلامي في العراق، ومؤلفات وأبحاث تزدان بها مكتبات العراق والوطن العربي.
* متى بدأت رحلتك مع الأندلس؟ وما سر اهتمامك بالفردوس المفقود؟
ـ بعد الماجستير رجعت للتعليم الثانوي، ونقلت إلى معهد إعداد المعلمين بالموصل. ولكني واصلت رغبتي في استكمال دراستي العليا، فقدمت للدكتوراه في كلية الآداب بجامعة بغداد سنة 1975، وكان العدد المطلوب قليلاً، فكنت الإحتياط الأول. ومن حسن الحظ لم ينسحب أحد، وإلا كنت سأُقبل في دكتوراه بغداد، وكان خط سير رحلتي العلمية سيتوقف في العراق. أقول من حسن الحظ، لأن بعد شهرين أُعلنت بعثات في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية. وكان فيها مقعدان فقط للتاريخ الإسلامي/ اختصاص المغرب والأندلس. فقدمت أوراقي لهذين المقعدين، وفزت بحمد الله بأحدهما، فكانت تلك بدايتي مع الأندلس.
راسلت عدة جامعات بريطانية، وتم قبولي في جامعة اكستر. وعرفت فيما بعد أن مسؤول الدراسات الإسلامية هو بروفسور مصري، مستغرب، هو الأستاذ الدكتور محمد عبد الحي شعبان، الذي تتلمذ على المؤرخ المعروف الأستاذ هاملتون جب. وقد استقبلني ورحب بي، وقال لي باللهجة المصرية: «ايه اللي حدفك علينا يا أخا العرب؟» وكان من عادته ـ رحمه الله ـ أن يستقبل بنفسه الطالب من محطة القطار، ويأخذه الى بيته، ويؤمّن له السكن مع الجامعة، ويعرفه على الطلبة من بلده، وكنت أول طالب عراقي يتعامل معه، فاتصل بطالب سعودي اسمه عمر العقيلي، وكلفه برعايتي وتعريفي على بقية الطلبة الذين يعملون باشرافه.
اطلع الدكتور شعبان على رسالتي للماجستير وتقديراتها العالية، وقرر قبولي مباشرة للبحث في الدكتوراه. واتفقنا أولاً على اختيار موضوع : ابن حزم الأندلسي مؤرخاً. وفي هذه الأثناء عملت على جمع المادة متزامنا مع دوامي في مدرسة اللغة لمدة ستة أشهر. وبعد هذه المدة استدعاني الدكتور شعبان وقال لي: يا عبد الواحد لقد فكرت في أمرك وفي موضوعك، وأرى أنك تستحق أن تعمل على شيء أكبر. إنك ان بقيت على موضوع ابن حزم ستأخذ الدكتوراه، وستكون رقما جديداً يضاف إلى المئات قبلك الذين تخرجوا ويحملون الشهادة. وهم لا يفقهون من التاريخ شيئاً. أ تريد ان تكون منهم وترجع بالدكتوراه فقط، أم تريد أن تكون باحثاً يشبه الدكتور صالح العلي والدكتور عبد العزيز الدوري؟ وعلمت فيما بعد أنه كان لا يعترف بغير هذين الإثنين كمؤرخين في الوطن العربي. فكان جوابي على الفور أنني أعمل بنصيحته، وأغير إلى ما أختاره لي، والبحث عن الإستقرار الإسلامي في شبه الجزيرة الآيبيرية، لأنه هو الأساس الذي سيبنى عليه تأريخهم هناك. وطبعاً لا بدَّ للفتح أن يسبق الإستقرار. فكان العنوان : «الفتح والإستقرار الإسلامي في شمالي إفريقيا والأندلس». ومن الجدير بالذكر، أنه من غير المطلوب في الجامعة أن نحدد ونسلم عنوان الأطروحة منذ البداية، بل ذلك مطلوب فقط عند تسليم الأطروحة كاملة عند نهاية العمل. وهذا على العكس مما يحدث عندنا في الجامعات العربية، أو على الأقل العراقية التي أنا متأكد منها، الأمر الذي يثير اشكالات متعددة إذا أراد الطالب التغيير لسبب من الأسباب القاهرة، مثل قلة المادة لاستكمال البحث، أو تبين أن الموضوع كان مطروقاً.
وحسب نصيحة الأستاذ المشرف، كان لا بدَّ من السفر والإطلاع على الأماكن التي سيتم البحث عنها، لأن الباحث الدقيق لا بدَّ أن يرى ويعاين ما يتكلم عنه، لاسيما اننا نتحدث عن أماكن حصل فيها صراع واستقرار، ومدى إمكانية تأثير الجغرافية في التاريخ. فعلى سبيل المثال، أعطاني الوقوف على الساحل في مدينة طنجة ، ورؤية الساحل الأسباني المقابل، معرفة شعور القائد طارق بن زياد، في ضرورة العبور لقصر المسافة وظروف القوة المسلمة التي كانت معه. وكذلك تعرفت على أسباب استقرار القبائل العربية في السهول، واستقرار القبائل الأمازيغية في المناطق الجبلية. استغرقت رحلتي شهوراً، تضمنت الدخول إلى كورسات للغة الأسبانية في مدينة سلمنقة، وجولة شملت نحو خمسين مدينة وقصبة في أسبانيا، وكذلك في المغرب، والجزائر، وتونس، تم في خلالها العمل على جمع مادة البحث من المصادر العربية لاسيما مخطوطات مكتبة الأسكوريال، والمكتبة الوطنية ، والمجمع العلمي في مدريد، ومخطوطات مكتبتي الرباط الملكية والعامة، والجزائر وتونس. وبعد سنتين تمَّ الإطلاع على مخطوطات المكتبة الوطنية في باريس، ومكتبة دار الكتب المصرية في القاهرة.
* كتبت الكثير من الكتب والأبحاث حول نهاية الإسلام في الأندلس، أين ذهب الشعب المسلم بعد سقوط غرناطة؟
ـ كما أسلفت فإن دراستي للدكتوراه ركزت على البدايات الأولى للمسلمين في الأندلس. ولكن بعد انتهاء الدراسة والرجوع للعمل في جامعة الموصل، بداية سنة 1979 كان لا بدَّ من توسع الإهتمام بالتاريخ الأندلسي ككل. فعملت على كتابة الأبحاث في شتى مجالات هذا التاريخ، وحضرت الكثير من المؤتمرات التي اختصت بتاريخ المغرب والأندلس. ومن ضمن اهتماماتي كان أيضاً دراسة كل العصور التي مرت على المسلمين في الأندلس، لاسيما عصر مملكة غرناطة، وسقوط هذه المدينة بيد الأسبان، وما حلَّ بالشعب العربي المسلم بعد ذلك.وجاء كتابي: «حركة المقاومة العربية الإسلامية في الأندلس بعد سقوط غرناطة»، ليجيب على تساؤل جنابكم بشأن هذا الأمر. فقد تمَّ التساؤل في مقدمة الكتاب: أين ذلك الشعب العربي المسلم؟، الذي تمَّ محوه محواً تاماً بحيث لم يعد لأفراده كيان كأمة من الأمم على الرغم أنهم كانوا أمة متميزة عاشت نحو ثمانية قرون على أرض شبه الجزيرة الآيبيرية. وما محاولاتهم ضد القهر والإستبداد الذي مارسه ضدهم الأسبان لما يقرب من مئة وثلاث وعشرين سنة؟، انتهت بإخراج من تبقى منهم ، ونفيهم خارج أسبانيا.
إن محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة وكثير غيرها مما يتعلق بنضال المسلمين، ومقاومتهم وتشبثهم للدفاع عن تراث آبائهم وأجدادهم في الأندلس، تشكل المباحث الأساسية التي تمَّ تناولها في هذا الكتاب، وذلك بأسلوب علمي مبسط ليسهل على القارئ تتبع الأحداث بيسر. كما زُود الكتاب بالهوامش الموثقة ليتمكن من يرغب بالمزيد من التعمق الرجوع إلى الموارد التي نهلت منها الدراسة.
أداء المستشرقين في تعاملهم مع التاريخ الإسلامي ولا سيما المغرب والأندلس
* تقییمك لأداء المستشرقین في تعاملھم مع التاریخ الإسلامى عموما وتاریخ المغرب والأندلس على وجه الخصوص؟
ـ لا ينكر فضل المستشرقين في خدمة التراث العربي الإسلامي، وأنا أتكلم هنا عن المغرب والأندلس. فقد كانت لهم المبادرة في الكشف عن هذا التراث، ونشره والتعريف به. ونجد الكثير من أمات المصادر الأندلسية قد حققت ونشرت منهم. ولكن هذا لا يعني أن بعضهم لم يحاول الدس، أو التحليل الذي يراد منه الفرقة أو الإساءة إلى المسلمين بشكل مبطن. مثل محاولات «رينهارت دوزي» إرجاع أسباب جميع أحداث الأندلس إلى الصراع بين القيسيين واليمنيين، أي عرب الشمال وعرب الجنوب. وكذلك آراء «سيمونيت المتعصبة». وعلى العكس نجد مستشرقين خدموا تاريخ الأندلس باخلاص، أمثال، «جاينجوس»، و»ليفي بروفنسال»، و»أنخل كونثاليث بالنثيا»، وغيرهم كثير.
* وبعضهم أرجع الفتوحات الإسلامية إلى العوامل الاقتصادية وليس نشر الإسلام، ما تعليقك على هذا؟
ـ يرى بعض المستشرقين أن الدوافع المادية والغنائم وحب التوسع هي التي دفعت العرب إلى الفتوحات وهذه تهمة خطيرة قصد بها تشويه التاريخ العربي الإسلامي. وهي لا تقوم على أساس واقعي فلم يكن هدف العرب الكسب المادي. بل كانت لهم غاية نبيلة أهم من ذلك بكثير وابعد أثر إلا وهي نقل مبادئ الحضارة العربية الإسلامية المستمدة من قيم السماء السمحة إلى البلاد المفتوحة، والجهاد في سبيل الله من اجل تحريرها من نير القوى المضطهدة ومن ظلام الجهل.



