النسخة الرقميةثقافية
مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي
الحلقة 53
لَمَا كانت الإدارة تشكل عصب الدَّوْلَة وَالسُّلطة، وَتجسيدها الأمثل، فإنَّ الإدارةَ السليمة تفرض عَلَى المديرين وضعِ الشخص المناسب فِي المكانِ المناسب؛ تحقيقاً للعدالةِ وَمراعاةً لظروفِ العمل وَمتطلباته، إلى جانبِ قدرات الفرد وَإمكانياته. وَيَبْدُو جلياً أنَّ صاحبَ ذلك القرار «المعجزة» لَمْ يصل للإدارةِ بالاستنادِ إلى كفاءته أو خبرته، وَإنما أرتقى سلالم المنصب الوظيفي باجراءٍ إداريٍّ خاطئ أو بمحضِ الصدفة أو بانتهاجِ سبلٍ لا تقيم وزناً للإمكانات، وَلا تعول عَلَى مَا يلزم مِنْ مهارات. وَلا أَكتُمُ سراً عندما أقولَ أَنَّ مِنْ بَيْنَ أهم العوامل الَّتِي أثارتني للحديثِ عَنْ تلك الحادثة المؤلمة الَّتِي تجرع مرارتها الكثير مِنْ الوطنيين وَالاحرار هو التخبط الَّذِي يخيم عَلَى المشهدِ السِّياسِيِّ المَحَلّيّ؛ نتيجة لافتقارِ القيادات الإدارية إلى التَّخْطِيط المنظم وَالمتقن الَّذِي يرتكز عَلَى فهمٍ عميق لأهميةِ عملية التَّنْمِيَة وَدورها المرتجى فِي مهمةِ بناء الإنْسَان وَرقيه وَتطوره، بالإضافةِ إلى مَا مِنْ شأنِه النهوض بالبلادِ اقْتِصادِياً وَاجْتِمَاعِياً وَثقافيا، وَصولاً إلى النهضةِ الحقيقية الشاملة. وَلعَلَّ فِي مقدمةِ تلك الاخفاقات هو الخيبة فِي مواكبةِ التطوير بمختلفِ جوانب العملية التَرْبَوِيَّة وَالتَّعْلِيميَّة، بِمَا يضمن تبنى المتفوقين وَالنابغين وَدعمهم؛ لأجلِ تمكينهم مِنْ تطويرِ ملكاتهم وَتنمية قدراتهم بِمَا يُساهِمُ فِي الارتقاءِ بالبلاد. وَليس أدل عَلَى ذلك مِنْ أَنَّ أستاذَ اللغة العربية الَّذِي قدر له أنْ يعملَ فِي رزمِ الرسائل مرغماً، لَمْ يقتصر عطاؤه عَلَى تركِ بصمة فِي المشهدِ التَرْبَوِيّ العراقي، حيث مكنه مداد يراعه أنْ يصبح بعد سنوات أحد أهم العنوانات داخل الخارطة الشعرية الَعرَبيَّة بفضلِ تنوع نتاجه الشِعريّ مَا بَيْنَ القصيدة العمودية الَّتِي عشق كتابتها منذ بداياته الأولى وَمَا بَيْنَ القصيدة الحرة الَّتِي يتنقل فِي تفاعيلها، فضلاً عَنْ تخطي صيته وَشهرته الصعيد المَحَلّيّ وَالعربي، مثلما يشهد بذلك المترّجَم مِنْ أعمالِه إلى لغاتٍ عدة، إضافة إلى الرسائلِ وَالأطاريح الجامعية لنيل شهادتي الماجستير والدكتوراه في جامعاتٍ إيرانية وهندية؛ بالنظرِ لكونِ مضامين أعماله الشِعرية نابعة مِنْ إحساسٍ صادق وَعميق مفعم بالحبِ وَالجمال واحترام الإنْسَان وَالدفاع عَنْ قَضايَاه.
إنَّ لـقـاءاً قـصـيـراً
يـمـنـعُ زَعَـلاً طـويـلاً..
فـتـصـدَّقـي عـلـيَّ ولـو بـ»شِـقِّ لـيـلـةٍ»
أشـربُ فـيـهـا خـمـرَ أنـوثـتـك بـكـأس رجـولـتـي
كـلُّ قُـبـلـةٍ تـتـصـدَّقـيـنَ بـهـا عـلـيَّ:
سـأجـزيـكِ بـعـشـرةِ أمـثـالـِـهـا
ـ ـ
ذات سَماوة، سأل السَماوي وَالده: «هل جرّبت الجندية يا أبي»؟ وَمِنْ دُونِ حاجة الحاج عباس «طيب الله ثراه» إلى وقتٍ للتفكير أجابه على الفور: «نعم يا ولدي.. حاولت التملص منها فلم أستطع؛ لأَنّيَ لم أكن وحيد العائلة فأعفى، ولا ثرياً فأدفع البدل النقدي»! وَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ كلماتَ الحاج عباس كانت أكثر مِنْ إجابة عَلَى سؤال، فالمتمعن بمضمونِها الإنساني يعي جيداً أَنَّ الدفاعَ عَنْ الوطنِ محصور بالفقراء. ولأَنَّ جوابَ الوالد كان بمثابةِ صفعة لولده، سأل يحيى والده ثانية ببراءةِ الفتوة: «لكن الفقراء لا يملكون بيوتاً فخمة وسيارات ونقوداً كثيرة.. المفروض أنْ يكون الأثرياء أكثر دفاعاَ عن الوطن؛ لأنهم تنعّموا بخيراته.. أ ليس كذلك يا أبي»؟ إلا أَنَّ الجوابَ كان بحاجةٍ إلى تفكيكٍ لألغازِه فِي ظلِ مَا اكتنفه مِنْ غموضٍ أوقع الفتى السَماوي فِي حيرةٍ مِنْ أمره، حيث أجابه الحاج عباس بِمَا نصه: «سيأتيك القوس بلا ثمن فاهتمْ بدروسـك»! ولقد جاء القوس فعلاً، لكنه كان بأثمانٍ باهظة، وَليس مِنْ دُونِ ثمن كما اعتقد السَماوي. وَأنا أتأمل بعض تداعيات «قوس» السَماوي يحيى، لا أعرف كيف قفزت إلى خاطري إحدى رسائل الروائي وَالصحفي الفلسطيني غسان كنفاني (1936 ـ 1972) إلى الأديبةِ السورية غادة السمان، وَالَّتِي نصها «ويبدو أنَ هناك رجالا.. لا يمكن قتلهم إلا من الداخل».
إنَّ لـقـاءاً قـصـيـراً
يـمـنـعُ زَعَـلاً طـويـلاً..
فـتـصـدَّقـي عـلـيَّ ولـو بـ»شِـقِّ لـيـلـةٍ»
أشـربُ فـيـهـا خـمـرَ أنـوثـتـك بـكـأس رجـولـتـي
كـلُّ قُـبـلـةٍ تـتـصـدَّقـيـنَ بـهـا عـلـيَّ:
سـأجـزيـكِ بـعـشـرةِ أمـثـالـِـهـا
ـ ـ
ذات سَماوة، سأل السَماوي وَالده: «هل جرّبت الجندية يا أبي»؟ وَمِنْ دُونِ حاجة الحاج عباس «طيب الله ثراه» إلى وقتٍ للتفكير أجابه على الفور: «نعم يا ولدي.. حاولت التملص منها فلم أستطع؛ لأَنّيَ لم أكن وحيد العائلة فأعفى، ولا ثرياً فأدفع البدل النقدي»! وَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ كلماتَ الحاج عباس كانت أكثر مِنْ إجابة عَلَى سؤال، فالمتمعن بمضمونِها الإنساني يعي جيداً أَنَّ الدفاعَ عَنْ الوطنِ محصور بالفقراء. ولأَنَّ جوابَ الوالد كان بمثابةِ صفعة لولده، سأل يحيى والده ثانية ببراءةِ الفتوة: «لكن الفقراء لا يملكون بيوتاً فخمة وسيارات ونقوداً كثيرة.. المفروض أنْ يكون الأثرياء أكثر دفاعاَ عن الوطن؛ لأنهم تنعّموا بخيراته.. أ ليس كذلك يا أبي»؟ إلا أَنَّ الجوابَ كان بحاجةٍ إلى تفكيكٍ لألغازِه فِي ظلِ مَا اكتنفه مِنْ غموضٍ أوقع الفتى السَماوي فِي حيرةٍ مِنْ أمره، حيث أجابه الحاج عباس بِمَا نصه: «سيأتيك القوس بلا ثمن فاهتمْ بدروسـك»! ولقد جاء القوس فعلاً، لكنه كان بأثمانٍ باهظة، وَليس مِنْ دُونِ ثمن كما اعتقد السَماوي. وَأنا أتأمل بعض تداعيات «قوس» السَماوي يحيى، لا أعرف كيف قفزت إلى خاطري إحدى رسائل الروائي وَالصحفي الفلسطيني غسان كنفاني (1936 ـ 1972) إلى الأديبةِ السورية غادة السمان، وَالَّتِي نصها «ويبدو أنَ هناك رجالا.. لا يمكن قتلهم إلا من الداخل».



