بائع الكتب
لا أخالني أُبالغ عندما أصف الكتاب بأنه خيرجليس، ففي أحيانٍ كثيرة لا تلامس شغاف قلبي متعة كمتعة القراءة، وبالأمس القريب وفي إحدى صباحات جمعة المتنبي، ضحك مني بائع الكتب القديمة المنزوي في دكانه الضيق العتيق الواقع في زاوية من زوايا الشارع الذي أكل عليه الدهر وشرب، حين رآني أقلب في الكتب، وأذهب ذات اليمين وذات الشمال، وأصعد على الكرسي وأنزل منه، والكتب بعضها بالٍ عتيق قد غُلّف بالتراب وعاثت به الأرضة، وكُلّها وضعت كيفما اتفقت لم يرتّبها بحسب الموضوع ولابحسب الحجم ولا بحسب أيّ شيء، ولم يبذل أيّ جهد في تنظيفها وعرضها، فكتب تفترش الأرض، وثانية في الرف، وأُخرى على المقاعد، وكتب في الممشى، والبائع رجل تقدمت به السنّ، زهد البيع وزهد الشراء، ولكنه باقٍ على هذا الحال لكونه اعتاد هذه الحرفة، وفضَّل أن يجلس في الدكان على أن يجلس في البيت، ليرى الرائحين والغادين، ويستقبل الزائرين، ومن حين الى حين يبيع كتاباً أو كتابين. وسط هذه المكتبة المتخمة بالكتب والأتربة، والفوضى العارمة في كل أركانها، وقد انغمست ببدلتي السوداء، القريبة العهد بالغسل والكواء، أبحث عن كتب نادرة أقتنيها وأتصفح كتاباً وأتعرف على عنوان آخر. فضحك مني إذ رأى شغفي وغرامي بالكتب إلى حد الجنون، ورغبة في البحث والشراء لا نظير لها. فوجهت كلامي إليه (لا تضحك يا سيدي) فإنما هي لذة القراءة أصيب بها البعض من أمثالي، وإن اختلفوا في مقدار الإصابة، فقد بالغ فيها قوم، واعتدل فيها آخرون وهي ظاهرة في منتهى القوة والغرابة، وأغرب ما في الأمر أنك ترى الكثيرين يندمون إذا اشتروا، ويندمون إذا لم يشتروا، فدعني أستمتع بروضة البساتين هذه فالحكمة تقول (الكتب بساتين العلماء)، ودعني أرتوي من هذه الكتب حدّ الثمالة، ولا تشغلني بمداخلاتك أيها الرجل العجوز، لأني أبحث عن ضالتي بين ركام الكتب المبعثرة في مكتبتك الضيقة التي يراها الرائي كلحد القبور وأنا أراها روضةً من رياض الجنة، أقتطف منها زهرة واذهب بها الى بيتي وما أن تطأ قدماي غرفتي يعتريني الشغف بالكتاب وأبيت ليلة وأنا أحلم به، ولا أسمح للنوم أن يزور جفني قبل تصفحه ومعرفة ما فيه، وفي ذهني تدور حكمة الفيلسوف الياباني فوشيدو كيندو(الجلوس في ضوة الشموع وأمامك كتاب مفتوح في حوار مع أشخاص من أجيال لم تعاصرهم هو المتعة التي ليس لها مثيل).
عادل كاطع العكيلي



