قراءة في كتاب «سايكس داعش بيكو» الهجرة النبوية والربط بين القديم والمعاصر

د. علي حسن مزبان
القسم الثالث
كتاب (سايكس داعش بيكو) للكاتب الساخر المبدع الأستاذ حامد الحمراني مقالات ساخرة نُشرت في الصحف ثمّ جمعها في كتاب.
قرأت الكتاب فعجبتُ كلَّ العجب وتساءلت كثيراً مع نفسي لِمَ لمْ يكتب النقّاد والمثقفون شيئاً عن هذا الكتاب الذي أراه ثورةً فكرية من حيث الطرح والجرأة التي تمتّع بها الكاتب المبدع حامد الحمراني حين سبرَ أغوار مجتمعه فكتب ما كتب. كتبَ حين سكت المثقفون إزاء ما يجري لأسباب كثيرة لا أعرفها.يحتفل جميع المسلمين في جميع العالم بالسنة الهجرية ويقيمون الحفلات والندوات للتذكير بهجرة الرسول الأعظم محمد صلّى الله عليه وآله. لكنّ مبدعنا الحمراني خالف الجميع حين كتب عن هذه الذكرى وهو يرى داعش تجتاح أرض البلاد لتطبيق مشروعها البائس لكنّه عالج الهجرة معالجة جديدة في ظلّ الظروف الحالية فربط بينها وبين الحاضر إذ يمّر العراق بهجمة شرسة تقوم بها عصابات همجية فرأى أنّ هجرة الرسول الأعظم عليه وآله الصلاة والسلام لم تكن طوعية بل كانت إجبارية حينما تكالبت قريش على النبي الأعظم عليه وعلى آله الصلاة السلام, ذكر الحمراني» لقد تمَّ تهجيرهم لا لشيء إلاَّ لأنّهم قالوا إنَّ الله ربّنا ولتلك مخالفة عظمى في الدستور الجاهلي؛ لأنّ ذلك يعني أنّهم تمردوا على تعاليم البداوة رفضوا الرضوخ للوثنية السياسية والاجتماعية وبالتالي فإنّهم لم يغضوا الطرف عن وئد الإنسان الذي أسجدَ الله له ملائكته» صفحة (51).
وربط المبدع الحمراني بين أبي سفيان وأبي بكر البغدادي لعنهم الله جميعاً وكذلك بين هجرة النبي الأعظم وبين التهجير القسري للشيعة أو الروافض كما يسمّونهم , ذكر الحمراني « وهي سُنّة في التأريخ الإنساني فقد هاجر النبي الأكرم ومعه ثلة من المستضعفين المؤمنين, خرجوا بملابسهم ودينهم ووجوههم البيضاء وضميرهم الناصع حاملين معهم مشروع الإصلاح تاركين ديارهم ومساكنهم وأموالهم لحكومة أبي سفيان البغدادي الذي سيصدر قانون الطوارئ فيما بعد عبر الأنترنيت والأقمار غير الصناعية الذي سيسمح بموجبه بنهب ممتلكاتهم تحت بند (الغنائم) وبيعها بأبخس الأثمان في سوق النخاسة وقتل عوائلهم لأنهم روافض ومرتدون» صفحة 51 ـ 52.
نعم الحمراني هو أوّل مَنْ ربط بين القديم والمعاصر بمناسبة الهجرة, قرأ التأريخ جيداً, وقرأ ما يجري على أرض العراق حالياً فهزّه الشوق للكتابة عنه فهو يقول «إنّها الهجرة فمَنْ أراد الله ورسوله واليوم الآخر وكفر بالطاغوت فليهاجر ويترك دنياه من أجل دينه, ومن خاف على (عفشه) وتجارته ومناصبه وتردّد في القيم الجديدة التي جاء بها بني الرحمة فلبق, وسيلقنّه أبو سفيان درساً في الذلّ والمهانة والتجويع, وسيمارس معه جميع أصناف الانحطاط وأوّلها زجّه في جيش (النخوة) لمحاربة المسلمين الأوائل لأنَّهم (خوارج) متمردون على الإجماع الوثني والأمن القومي» صفحة 52.
هكذا عبرّ المبدع الحمراني حين أكّد وثنية هذه الجماعات الداعشية بقوله: ( متمردين على الإجماع الوثني والأمن القومي).
وركّز على التهجير والتقتيل الذي جرى في العراق, والمبدع الحمراني هو نفسه هُجر من بغداد إلى كربلاء. لا لشيء سوى أنَه ينتسب إلى الشيعة أو الرافضة لذا فهو يقول: «فقد تمّ تهجير العراقيين المنتظرين للتغيير وضحايا الطغاة والوثنية السياسية وذوي الشهداء المقابر الجماعية والمحرومين والمستضعفين خرجوا بوطنهم ولم يستقبلهم (النجاشي)..» صفحة 53 ثم يكمل كلامه ويعطي السبب «لأنَّ قيم النجاشي وعقيدته قد أكلها الإرهاب العنف وتأثيرات أجندات دول الجوار فلم يسمح دعاة البداوة والسلطات المتوحشة للعراقيين أنْ يقيموا تجربتهم التي كان مقرّراً لها أنْ تقوم على أساس التحرّر والعدل بعيداً عن تعاليم هبل واللات والعُزّى المعاصرة»، صفحة 53.
هكذا يستعمل الرمز (النجاشي) ليعبر به عن الخير والفضيلة مقابل هبل واللات والعُزى وهي أمريكا وإسرائيل والسعودية وقطر تلك الدول التي ساعدت داعش مادّياً وعسكرياً ثم يُنهي مقالته الجميلة بالسلام على النبي العظيم وآله وصحابته بقوله: «السلام عليك أيُّها النبي الرحيم يا أول المهاجرين والمهجّرين وصلّى الله عليك وعلى آل بيتك المعصومين المظلومين وصحبك الكرام الصابرين المنتجبين».
هكذا ينهي كلامه من خلال عقيدته الوسطية فهو يصلّي على النبي وآله وصحابته بعيداً عن كل تعصب.
سلاماً لروحك الطيبة أيها الحمراني المبدع حين بحثت هذه القضية على هذا الأساس فسبقت من سبقك ومن جاء بعدك.
جرأته في طرح أفكاره:
كان الحمراني جريئاً في طرح ما عنده من أفكار فقد كان مثقفاً واعياً ناضجاً فاضحاً أشخاصاً كانوا يعملون في الحكومة يتسترون على داعش ويدافعون عنها على الرغم من امتلاكهم مقاعد في النواب والحكومة في حين عجزت بعض الأقلام من الكتابة عنهم, ومن أروع سخرياته, قوله «ولكي أكون محايداً وشفّافاً فإنَّ تلك المنظمة لا علاقة لها باستهداف عمال البناء في مدينة الكاظمية وبغداد الجديدة والنهضة والشعب والفضيلة وإنّما هنالك معلومات تشير إلى أنّ جمعية تطلق على نفسها (الآمال في قتل العمال) هي التي استهدفتهم لأنّها وحسب زعمها لا تؤمن بالصراع الطبقي وإنّما تؤمنُ بتخمير الطرشي وأنّها قتلتهم تحت حجة أنّ (البروليتاريا أفيون الشعوب). صفحة 33.
وهو هنا يسخر منهم لأنهم كانوا يقتلون العمال في (المساطر) والساحات والمقاهي ولا أدري لماذا يعمدون إلى قتل العمال والكادحين؟ هل هي مبادئهم الإسلامية كما يدّعون؟, واستعان الحمراني بمقولة الشيوعيين (الدين أفيون الشعوب) فاستبدل بلفظة الدين (البروليتاريا) وهي الطبقة العاملة الكادحة لكي يوظّف هذه المقولة توظيفاً فنياً في دعم ما يذهب إليه.
وانتقد التعليم في العراق والفساد الإداري, وبيع أسئلة امتحانات البكالوريا, وهو بهذا يتعرّض لمشكلة كبيرة وهي تدنّي مستوى التعليم في العراق ويفضح وزراء التربية الذين جاءت بهم المحاصصة المقيتة فصار التعليم خراباً يباباً في زمنهم, تحدث عنهم بأنهم مجرمون, بقوله: «وكلهم مجرمون وهم أبطال الفوضى التي لا يريد البعض لها الانتهاء, بل إنَّ أبطالها لا يستحون أنْ يجاهروا في إمكانية إدامة زخمها ويجدوا استقبالاً حاراً من جلاوزة الشيطان المنتشرة تصريحاتهم في صدر الجرائد..» صفحة 35.
ومن إبداعاته ربطه الماضي بالحاضر على وفق تقنية كتابية رائعة حين ربط بين دواعش الزمن القديم والحاضر الدواعش الأجداد والدواعش الأحفاد مجرمي الماضي ومجرمي الحاضر بين فدائي صدام ويزيد بن معاوية لعنه الله, بقوله «وفدائيو صدام والدواعش كلاهما من نفس المدرسة ونفس الثقافة وكلاهما متأثر بشخصية ميكافيلي ابن أبي سفيان الأمة يزيد بن معاوية وخاصة طريقته في الذبح ورفع الرؤوس على الرماح وبقاء الجثث في العراء سواء كان الضحية ابن بنت رسول الله أم كان جندياً من جنوبي العراق في مدرسة القوة الجوية بسبايكر» صفحة 40.
ومن سخرياته المبدعة سخريته من شعارات الزمن الماضي (بالروح بالدم نفديك يا صدام) فحوّلها إلى (بالروح بالدم نفديك يا تفخيخ) هكذا سخر من التناقضات الموجودة في الشارع العراقي.
ومن نقده الواضح الجريء نقده الفضائيات العربية المأجورة كقناة الجزيرة القطرية والعربية السعودية وبعض القنوات العراقية المرتبطة بالشيطان حين أعلنوا أنَّ الإرهابيين وهم يسمّونهم (الثوّار) على مشارف بغداد على بعد (10) كم وهو كذب واضح ثمَّ بيّن المقابلة والموازنة بين الخير والشرّ من خلال قراءاته الواسعة في كتب التأريخ حين ذكر «ولكنني راجعت أحاديث الرسول الأكرم وأهل بيته في هذه المدة الحرجة التي يمّر بها المسلمون العرب الذات وكيف إنَّ أحد علامات خروج الأمام المنقذ هي (الصيحة) من السماء لكنّ الذي أذهلني أنّ الأحاديث تقول إنّ الصيحة الأولى تكون بلسان وصوت جبرائيل عليه السلام يسمعه مَنْ في السماوات والأرض النائم واليقظان والقاعد والواقف بأنَّ إمامكم الحجة بن الحسن بن بنت رسول الله وسيفرح المسلمون عندئذٍ ويستبشرون بإقامة دولة الله في الأرض ورئيس وزرائها ابن بني الرحمة فلا محاصصة ولا توافقات ولا رحمة للمجرمين والفاسدين والفجرة والخونة لكنَّ المشكلة بعد هذا الصوت تقول الأحاديث سينزل صوت آخر يقول إنَّ إمامكم هو السفياني عثمان بن عنبسة» صفحة 62.
ودخل إلى مغارة التأريخ وربط بين الماضي والحاضر فسمّى الدول النفطية بـ(الدول العفطية) وكيف تآزرت مع إسرائيل وقتلت الشعب العراقي واغتصبت نساء الموصل بحجة التوزيع غير العادل هو نفس التصريح الذي خرج علينا بعد ذبح ابن بنت رسول الله في واقعة الطف الذي يقول إن الحسين قُتِلَ بسيف جدّه.
أقول: نعم كان الحمراني موفقاً في كلامه فهذا كلام القاضي ابن العربي المالكي في كتابه (العواصم من القواصم) الذي حفظه الوهابيون وردّدوه في مجالسهم وتثقفوا به لعنهم الله ولعن ابن العربي المالكي العدو اللدود لآل البيت عليهم السلام.
وسخّر المبدع الحمراني من القوم الذين مازال لهم الأمل والرجاء في عزة الدوري وأمثاله وأكثرهم أعضاء في مجلس النواب أو وزراء في الحكومة, بقوله «استبشروا يا أبناء أمة العربية الداعشية المجيدة فإنَّ صبركم وربيعكم التكفيري ونضالكم المظفر لم يذهب سدى فها هو قائدكم الفذّ المندحر عاد من جديد إنّه عزّة الدوري طويلاً وحزب البعث الذي أدخل الشعب في دوامة الحروب حاول أنْ يذكّر الشعب العربي وبخاصّةٍ الناس الذين ما زالوا يؤمنون بالبعث ورجاله بقوله:» وإذا كان العراقيون وطيلة عشر السنوات الماضية بعد غياب البعثيين المناضلين الزاهدين يعيشون فوضى وعدم ثقة فإن الدوري جدير بإعادة الروح الوطنية من خلال إعادة انشودة (العزيز أنت) و(يا كاع اترابج عزة الدوري) وإنّ ثقافة الثلج والطماطة القوميتين كفيلتان بإعادة الحياة إلى الخضروات العراقية التي يستورد أغلبها من الدول المجاورة التي لا تريد للعراق الرفاهية البعثية» صفحة 73.
الحمراني وقضية الأمام الحسين (ع)
على مدى سبع وسبعين صفحةً وظّف الكاتب المبدع حامد الحمراني قضية الإمام الحسين عليه السلام وثورته وربطها بقضايا الوقت المعاصر متذكّراً السقيفة والشورى وما حدث آنذاك فيهما من تعطيل لأوامر الله سبحانه وتعالى ورسوله الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم بحجة الأمن الداخلي أو الخارجي وغير ذلك.كان المبدع الحمراني ساخراً من عقول القدامى وما كتبه في تواريخهم ما يحدث الآن عند أحفادهم من الدواعش والوهابية والقاعدة وحواضنهم التي تدّعي ( لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله).
فضحهم بلغة عالية وحبكة متناهية الذكاء, تناصَّ فيها تناصّات أرعبت المشهد الأمر الذي دلّل على ثقافة الكاتب وارتباطه روحياً بحب آل البيت عليهم السلام.كتب عن مشروع الحسين عليه السلام بفكرة جديدة لم يُسبق إليها, فهو لم يصوّر ثورة الإمام الحسين عليه السلام بصورة سردية سمعها القارئ مراراً بل كان الربط الموضوعي بين القديم والحديث منهجاً له.



