النسخة الرقميةثقافية

مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم

51

بالاستنادِ إلى مَا تيسر لَيَّ مِنْ شهادات، وَلا سيَّما أحاديث طلبته الَّذين ارتقى الكثير مِنهم سلالم التطور فِي مَا تباين مِنْ ضروبِ الأدب، مَا أظنني مبالغاً إنْ قلتُ أَنَّ عشقَ السَماوي للتدريس انعكس بصورةٍ إيجابية عَلَى تطويرِ الأداء فِي حقلِ التَّرْبِيَة بِمدينتِه، فضلاً عَنْ محاسنِه للطلبةِ الَّذين غرس فِي نفوسهِم بذرة القدرة عَلَى النجاح والسعيّ الحثيث لتَنْمِيَةِ مواهبهم وَتطوير قدراتهم، حيث تعودوا عَلَى النظرِ إلى الدراسةِ بطريقةٍ إيجابية؛ مكنتهم لاحقاً مِنْ التبحرِ فِي بطونِ كتب العُلُوم وَالتمتع بالتجوالِ فِي سوحِ الثَّقَافَة وَالفُنون. يضاف إلى ذلك انعكاس برنامج العمل هَذَا عَلَى أساليبِ التعامل مَعَ أقرانِه مِنْ المدرسين. وَتدعيماً لِمَا ذكر آنفاً، فإنَّ السَماويَ وَمِنْ خلالِ استعراض مَا أُتيح لَيَّ مِنْ أقوالِ بعض مجايليه وَالنظر فِي شهاداتِ آخرين مِنْ طلبته، أبدع فِي أدائِه مدرساً للُغَةِ العربية. ولعلَّ مِنْ بَيْنَ أبرز وَأهم الدلائل عَلَى إبداعه هو اعتراف مُدِيرِيَّة الإشراف التَرْبَوِيّ فِي محافظةِ المثنى بالنهجِ الَّذِي اختطه فِي طرائقِ التدريس؛ إذ أوكلت إليه أكثر مِنْ مرةٍ مهمة إقامة دروس نموذجية لطلابِه يحضرها مدرسو وَمدرسات اللغة العربية فِي المحافظة، وَلا سيَّما فِي درسِ النحو، حيث كان يقوم بتأليفِ قصيدةٍ تتضمن أبياتها مَوْضُوع الدرس، وَمِنْ خلالِ شرح القصيدة يتم استنباط القاعدة النحوية، كما يتم معرفة بحر القصيدة وَتبيان السمات الأسلوبية وَالبلاغية، بالإضافةِ إلَى رسمِ مواضع الهمزة وما الى ذلك؛ فأصبح «الدرس النحوي» درساً فِي «النقدِ وَالبلاغة وَالمطالعة» مَعَ حرصه ـ المتعمد ـ عَلَى إنسانيَّةِ النص وَإشاعة الفكر الإنسانيّ التقدمي وَثَّقَافَة المَحَبَّة وَالتسامح كبديلٍ للأمثلةِ الجامدة وَالشعارات الَّتِي كان يتضمنها كتاب القواعد أو النحو.
فِي وقتٍ لَمْ يعد فِيه بيتُ شعر أحمد شوقي المشهور «قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا.. كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا»، حاضراً فِي أذهانِ الكثير من التربويين فِي بلادِنا؛ لِتيقنهم مِنْ أنَّهُ أصبح فِي خبرِ كان بوصفِه مِن الأبياتِ الشِعرية الَّتِي لا ينسجم مضمونها مَعَ مَا يجري حالياً فِي أروقةِ مدارسنا بفعلِ تمرد الطلبة عَلَى أساتذتِهم وَعدم مَنحهم المستوى المطلوب مِنْ «التقديرِ وَالاحترام» بتشجيعٍ مِنْ بعضِ أولياء الأمور المتفاعلين مَعَ فوضى ديمقراطية المحتل، وجدت مِن المناسبِ استعراض بعض مناقب السَماوي التَرْبَوِيَّة، فالمذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ مهنةَ التدريس أكسبت السَماوي صداقات واسعة وَحميمة مَعَ الطلاب، وَأكـاد أجـزم أن هَذَا التفاعل الإيجابي كان مِنْ بَيْنَ الأسباب الَّتِي حببت الأدب لعددٍ كبير مِنْ طلابه الَّذين أصبح لبعضهم اليوم حضوره الكبير فِي المشهد الإبداعي العراقي كالأدباء وَالشعراء قاسم والي، إياد أحمد هاشم، نجم عبيد عذوف، باقر صاحب، كاظم الحصيني، الدكتور عبد الرحمن كاظم زيارة، الشهيد المناضل كاظم وروار وغيرهم كثيرون.
سَـحَـبَـتْـنـي مـن مـرايـا شُـرفـةِ الـفـنـدقِ نـحـو الـقـاعِ صـخـرةْ
فـتـشــبَّـثـتُ بـحـبـلٍ مـن دخـانٍ كـلـمـا أنـفـثُـهُ :
يـنـفـثـنـي آهـاً وحـسـرةْ
فـتـلاشـيـتُ كـمـا فـي الـبـحـرِ قـطـرةْ
أيـهـا الـعـابـرُ مـن فـضـلـكَ: هـل ألـقـيـتَ نـظـرةْ
حـولَ هـذا الـبـحـرِ والـشـرفـةِ والـشـارعِ والـبـئـرِ
فـإنـي ضـائـعٌ أبـحـثُ عـنـي مـنـذ أنْ سَــلَّـمَ وادي الـنـخـلِ لـلـعـاصـيـن أمـرَهْ
لـم أجـدنـي فـي دجـى الـبـئـرِ وبـطـنِ الـذئـبِ والـحـوتِ
فـهـل فـتَّـشـتَ عـنـي؟
إنـنـي الأعـمـى الـذي هـيَّـأ قـبـلَ الـمـوتِ قـبـرَهْ
كان السَماوي صادقاً فِي مهمته التَرْبَوِيَّة وَالمتمثلة فِي سعيِّه الحثيث للمُسَاهَمَةِ بِبناءِ أجيالٍ محصنة بالعلمِ وَمدركة لقيمةِ الثَّقَافَة وَتأثيرها، بَيْدَ أنَّ كُلَّ مَا فعله لَمْ يكن ذا أهمية فِي صلبِ تفكير إدارة تَرْبَوِيَّة تَنْهَل مِنْ معينِ النظام الشمولي فكراً وَممارسة، حيث فوجئ بقرارِ نقله مِنْ الآفاقِ الَّتِي يجد نفسه فِيها إلى «مُدِيرِيَّة بَلَديَّة السَماوة»، موظفاً لا عمل له. وَبعد مضي سنة دراسية كاملة قضاها فِي العملِ بمُدِيرِيَّةِ البَلَديَّة، استعاد السَماوي يحيى فرحاً صُودِر منه كيدا فِي أعقابِ إعادة خدماته ثانية إلى قِطاعِ التَّرْبِيَة بسببِ حاجة التَّرْبِيَة يومذاك إلى المدرسين. وَقد مكث فِي التدريسِ سنوات عدة، حتى شروع النظام الحاكم فِي التعاملِ مَعَ هَذَا القِطاع الحيوي بالاستنادِ إلى نهجِ «التبعيث». وَحين أعلن السَماوي امتناعه عَنْ الإنتماءِ للحزبِ الحاكم، تم نقله وظيفياً إلى مكتبِ «بريد السَماوة « ليمارس فِيه وظيفة «رزّام رسائل»، عَلَى الرغمِ مِنْ أَنَّه كان باعترافِ «مُدِيرِيَّة الإشراف التَرْبَوِيّ» وَإدارة المدرسة وَطلابه، مدرساً ناجحاً لدرجة أنَّ مُدِيرِيَّةَ الإشراف التَرْبَوِيّ كانت تكلّفهُ سنوياً بإقامةِ درسٍ نموذجي لطلابِه، بحضورِ مدرسي وَمدرسات المحافظة؛ إذ فوجئ ذات صباح بأمرٍ صادر مِنْ «مُدِيرِيَّةِ تَّرْبِيَة محافظة المثنى» بإنهاءِ علاقته بالتدريس؛ إستنادا للأمرِ الوزاري «المرقم 42051 وَالمؤرخ فِي الثالثِ مِنْ تموز عام 1980م»، وَ الَّذِي يقضي بنقلِ خدمته الوظيفية مِنْ «مدرس» إلى «رزّام رسائل» فِي مكتبِ بريد السَماوة. وَالمذهلُ فِي الأمرِ أنَّ السببَ المعلن فِي أمرِ نقل خدماته ـ وَعدد آخر مِنْ زملائِه ـ هو مقتضيات «المصلحة العامة»، إلا أَنَّ غيرَ المعلن هو: رفضه وَزملاؤه الإنتماء لحزبِ البعث الحاكم.
لـسـتُ وحـدي أجـلـسُ الان عـلـى سـاحـلِ «هِــنْـلي بـيـجْ»
أرمـي الـمـوجَ والـرمـلَ بـأحـجـارِ الـنـدَمْ
لـسـتُ وحـدي فـأنـا فـي قـلـبـيَ اللهُ
وفـي عـيـنـيَّ بـحـرٌ
ويـدي تـحـمـلُ أوراقـاً وتـبـغـاً وقـلـمْ
وبـأعـمـاقـي جـبـالٌ مـن هـمـومٍ
وسـهـولٌ مـن ألـمْ
لـسـتُ وحـدي..
إنـنـي فـردٌ ولـكـنْ بـيـن أضـلاعـي شـعـوبٌ وأمـمْ
كـيـف أشـكـو وحـشـةَ الـوِحـدةِ والـبـحـرُ صـديـقـي
ونـديـمـي الـصـمـتُ..
هـل يـشـكـو صـريـرَ الـريـحِ مـزمـارُ الأصَـمّْ؟
الشابُ الثوري المهووس بالثورةِ الَّتِي أكلت نفسها فِي مطلعِ ستينيات القرن الماضي، وَالَّذِي وصفَه ـ بعد عقود مِنْ تلك الأيام ـ الأب الأديب يوسف جزراوي بالقول: «السَماوي كالحجر الذي رفضه البناؤون وأصبح رأسًا للزاوية»، انتظم في مهنةِ رزم الرسائل بمكتبِ بريد السَماوة ـ لا عَنْ رضا وَلا طيب خاطر ـ بعد أنْ تسببَ وعيه الوَطَنِيّ وَانغماسه فِي حركةِ اليسار عيشه خارج أسوار بِيئَة التَّرْبِيَة الَّتِي أحبها وَشغف بفنونِها حد العشق، فضلاً عَنْ مثابرتِه وَجهده الكبير، ومَا مِنْ شأنه الإثقال عَلَى أسرتِه مِنْ أجلِ التشرف بالانتماءِ إلى أروقتها ورسم ملامح الإبداع فِي فضاءاتِها، بَيْدَ أنَّ التضييقَ عَلَيه وَجعله بعيداً عَنْ طلبتِه، فضلاً عَنْ وضعِه تحت أنظار عسس السلطة ومخبريها السريين وَكتاب التقارير الإخبارية، لَمْ يبعده عَنْ همومِ شعبه، فكانت سياط أمن السُّلطة الَّتِي تجرى عَلَى ظهورِ آلاف العراقيين المطالبين بالكرامةِ وَالحريةِ تترك ندبات عَلَى جسمِه وَتعرج أخاديدَ عَلَى وَجهه.
قـالَ لـيْ الأعـمـى: أنـا أرضٌ يـبـابْ
لـيـس يـعـنـيـنـي إذ أشـرقـتِ الـشـمـسُ
أو الـبـدرُ عـن الـشـرفـةِ غـابْ
مـا الـذي تـخـسـرهُ الـصـحـراءُ إنْ جَـفَّ الـســرابْ؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى