حين يبدع الأدب الساخر «سايكس داعش بيكو» .. الحمراني وقضية الإمام الحسين «ع»

د. علي حسن مزبان
على مدى سبع وسبعين صفحةً وظّف الكاتب المبدع حامد الحمراني قضية الإمام الحسين (ع) وثورته وربطها بقضايا الوقت المعاصر متذكّراً السقيفة والشورى وما حدث آنذاك فيهما من تعطيل لأوامر الله سبحانه وتعالى ورسوله الأكرم (ص) بحجة الأمن الداخلي أو الخارجي وغير ذلك.كان المبدع الحمراني ساخراً من عقول القدامى وما كتبه في تواريخهم ما يحدث الآن عند أحفادهم من الدواعش والوهابية والقاعدة وحواضنهم التي تدّعي (لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله).فضحهم بلغة عالية وحبكة متناهية الذكاء, تناصَّ فيها تناصّات أرعبت المشهد الأمر الذي دلّل على ثقافة الكاتب وارتباطه روحياً بحب آل البيت (ع).
كتب عن مشروع الحسين (ع) بفكرة جديدة لم يُسبق إليها, فهو لم يصوّر ثورة الإمام الحسين (ع) بصورة سردية سمعها القارئ مراراً بل كان الربط الموضوعي بين القديم والحديث منهجاً له.
مبتدئاً من أوّل داعشي على وجه الأرض الذي قد حاولوا أنْ يجدوا له الأعذار، ثم انتقل إلى معاوية بن أبي سفيان الذي لقّب النبي الأكرم (ابن أبي كبشة) وحسده كيف يُرفع اسمه يومياً خمس مرات. وقد ذكر هذا الأمر الزمخشري في كتابه (ربيع الأبرار) ونقلها عنه ابن أبي الحديد الشافعي المعتزلي في (شرح نهج البلاغة) وفضح الدواعش الذين قتلوا سيدنا الحسين (ع) وكيف مثلوا بجثته وداسوا صدره الشريف بحوافر خيولهم وسبوا عياله ونساءهُ وبعد هذا كلّه يأتي إعلامهم المزيف الذي أذاعوا به إلى الأمة الإسلامية آنذاك بأنَّ الحسين (ع) خارجي خرج على سلطان المسلمين يزيد بن معاوية فاستحقّ القتل.
وبيّن الحمراني أنّ نهضة الحسين (ع) وقفت بوجه ثقافة الموت التي بشَّر بها الأمويون ومن قبلهم بعض الصحابة, وربط بين بطولات أصحاب الحسين (ع) وبين بطولات الحشد الشعبي المقدّس والمقاومة الإسلامية التي بذل فيها المقاتلون الأبطال الغالي والرخيص وباعوا الدنيا من أجل إعلاء كلمة الحقّ وإبطال المخطط الأمريكي الصهيوني السعودي القطري الداعشي الوهابي.
وكان المبدع الحمراني موفقاً في استخدامه الرموز القديمة بألقاب حديثة. من ذلك قوله: «وإذا كان عدَوكَ داعشياً في القوت الحاضر وخارجياً أباً عن جدّ في سالف الزمان, وأنّه يقاتل نيابة عن جميع قوى الظلام بما فيهم رئيس قائمتهم عبيد الله بن زياد ورئيس وزرائهم الدكتور أبي لهب النقشبندي». ص 85.
ووصف بطولة العراقيين والحشد الشعبي وصفاً جميلاً, وأكدّ أنّ التظاهرة الكبيرة التي خرج بها الإمام الحسين (ع) على يزيد بن معاوية (لع) تظاهرة لا تعترف بالزمان ولا بالمكان بل ممتدة إلى يوم القيامة وأنّه ثورة على الظالمين جميعاً وما يزيد بن معاوية إلّا واحد منهم. وكان الحمراني يأتي بجمل ومشاهد من التأريخ بين السطور ليؤكّد ارتباط الأمس بالحاضر كقوله حين استشهد بقول الإمام الحسين (ع) «لم أخرج أشِراً ولا بَطِراً ولكن لطلب الإصلاح في أمة جدي» هذه المقولة وظّفها الحمراني توظيفاً رائعاً حينما بدأ قبلها بقوله: «أقول ولأنَّ إعلام الأمويين يصرفون عليه نصف الميزانية الاتحادية الأموية» فجعل مقولة الحسين (ع) نتيجة لهذا ثم أتبعها بقوله: «ولأنّ مظاهرة الحسين وتظاهرته أغرقت الظالمين في وحل الهزيمة وألقت بهم في مزبلة التأريخ». ثم بيّن صمود أصحاب الحسين (ع) وديمومة ثورته بقوله:
«فمؤونة المتظاهرين بسيطة فهم صيام بالنهار وتالون القرآن في الليل ولا يحتاجون إلى الدولارات من دول الجوار ففيهم منظم التظاهرة وهو الحسين الذي قال لهم: مَنْ التحق بنا استشهد ومن تخلف لم يدرك الفتح فخلّدهم الله ودينه والتأريخ»، ص 90.
وقد وصف الحمراني الإمام الحسين (ع) في بعض أقوله بالكائن الإلهي بقوله: «لقد قرأ الإمام الحسين وهو ذلك الكائن الإلهي الممتلئ يفيض الحرية قرأ بوضوح ماذا يعني وجود الطغاة في منظومة أخلاق الناس ليس بتأثيرهم الآني في حياة الشعوب وإنّما بما سيخلفونه فيما بعد من ورثة الانحطاط والذل ونهج الاستسلام..»، ص 91.
وصوّر الاحتلال اللعين بأجمل تفسير ووصف بقوله: «فإنَّ الاحتلال الأجنبي المقيت ما هو إلاَّ نتيجة لاحتلالات سابقة وتنسيق تكنوقراطي بينه وبين المجرمين الذين يؤسّسون لقدومه تبدأ بظلم الحاكم الجائر لرعيته مروراً بنفاق المرّوجين لغبائه والمدافعين عن أخطائه»، ص 91.
ولم يصوّر أحد قبله صدام حسين كما وصفه هو بقوله: «فالحكم المخرف يُمهد الأرضية الخصبة للقوات الأجنبية لدخول تلك القوات إلى بلاده بعد أنْ يميت شعبه ويذيقهم الجوع والتشريد ويحرمهم من الحرية التي إنْ فقدها الإنسان أصبح فريسة سهلة للإغراء ممّا عنه التنازل عن كلّ ما هو نبيل»، ص (91 ـ 92).
ثمّ يربط بين هذا النظام ونظام يزيد بن معاوية (لع) وخروج الإمام الحسين (ع), بقوله: «لذلك خرج الإمام الحسين على طاغوت عصره لأنّه بذلك إنهاء أوّل حلقات الانحراف ومن ثمَّ وضح الجار المنيع (رفض الخضوع للباطل) بوجه الغزو الأجنبي فيما بعد»، ص 92.
ونظر إلى المقابر الجماعية التي أسّس لها صدام اللعين بأنَّها ليست جديدة وإنّما هي قديمة بدأها الدواعش القدامى إشارة إلى مذبحة كربلاء بقوله: «وبعد استشهاد الإمام بعد أقلّ من ساعة إضرام النار في مخيّم نساء آل بيت الرسول وأقاموا أوّل مقبرة جماعية بلا رؤوس ليكونوا رموز (الذبّاحة) العصور وأرهبوا الناس عندما استهانوا برأس ابن بنت نبيّهم وروّجوا لكذبة الكبرى التي يتشدّق بها أعوانهم إلى اليوم وهي (الأمن…!)»، ص 92.
نعم، عرض الحمراني لكلّ المقولات الحسينية لكنّه ربط بينها وبين ما يحدث حالياً في حرب شرسة ضدّ مذهب آل البيت (ع), وفي بعض الأحيان يشرح المقولة كقوله وهو يتحدث عن زعيم الأحرار أبي عبد الله الحسين (ع) «فقد أعلنها صرخة في الأثير, (إنْ لم يكن لكم دين ولا تخافون المعاد.. فكونوا أحراراً في دنياكم)؛ لأنَ الشعب الذي يذوق الحرية لا يمكن أنْ يقبل بالظلم الذي هو علامة مميزة للدكتاتورية المؤسسة للاحتلال»، ص 93.
وعرض الحمراني للإعلام المُضلّل والفضائيات الكاذبة التي تروّج لداعش وتعدّها من الثوار والمجاهدين وربط بينها وبين إعلام يزيد بن معاوية (لع), وبيّن أنّ أوّل أكاذيبه حينما صرح بوجه الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) أكذوبته «الحمد الله الذي قتل أباكم وفضح أكذوبتكم»، فأجابه الإعلام النبوي على لسان زين العابدين (ع) «إنّ أبي قتله الناس وإنّ الله يتوفّى الأنفس حين موتها»، ص 95 ـ 96.
وكان الحمراني المبدع موفّقاً حينما عرض للتجمع المليوني الذي يحدث في كربلاء المقدّسة كلّ عام ليتذكروا تلك الحادثة المروّعة وموقف الإمام الحسين (ع) وآل بيته وأصحابه (رض) حينما جابهوا الظلم والطغيان بكل بسالة, وأنّ هؤلاء المجتمعين إنّما يؤكدون حبهم وولاءهم لثورة الحسين (ع), يذكر الحمراني «وبينما تجمّع العراقيون في كلّ مكان في كربلاء برغم جراحهم وعيونهم التي تنزف دماً من منهج الفتنة والتكفير تجمعوا هناك ليعلنوا سخطهم على جيش يزيد ويجدّدوا حبهم لآل الرسول ويعينوا الإمام السّجاد وجابر الأنصاري على إرجاع رؤوس ملحمة كربلاء إلى الأجساد الطاهرة في أربعينية الطف بينما استمّر جيش عمر سعد وشمر بن ذي الجوشن وعبيد الله بن زياد في الوقت الراهن استهدافهم لأنصار الحسين في الدورة وحي الجامعة والطارمية وجسر الجادرية ومواكب العزاء في الحلة ليجدّدوا من جديد نصرتهم للخط الأموي بغضاً بالعراقيين ورغبةً في جائزة ملك المجرمين»، ص 96. هكذا سخر منهم الحمراني وفضح جرائمهم في الماضي والحاضر وبيّن أنّ هؤلاء المجرمين هم أحفاد أولئك.
ويُعطي الكاتب الحمراني قيمة ثمينة للذين يدّعون أنَّهم من شيعة الإمام الحسين (ع), ويبيّن كيف هو الشيعي حقاً بقوله: «لستُ أزعم أنّي من شيعة الإمام الحسين (ع) فذلك مقام بيني وبين أهله سنين ضوئية من الجحود والصدود والذنوب فقد نالوا هذه القيم إمّا بالسيف الظاهر قتلاً في سبيل الله أو بالسيف الباطن إذلالاً للنفس التي تأمرني يومياً بالسوء فأجيب صاغراً»، ص 97.
ومن أجمل المواقف في الكتاب هو كيف قدّم المبدع الحمراني مدرسة الحسين (ع) للمتلقي الذي اعتاد أنْ يعرفها سرداً تأريخياً لا غير. فبيّن الحمراني أنّ لهذه المدرسة مؤهّلات خاصّة ينبغي للمنتمي إليها أنْ تتوافر فيه حتّى يكون حسينياً, منها «أنْ يحفظ عن ظهر قلب وضمير ووجدان ما كُتِبَ على بابها قبل أكثر من ألف وثلاثمئة سنة مستخلصاً هذا من قول الإمام الحسين (ع) (مَنْ التحق بنا استشهد ومَنْ تخلّف لم يُدرك الفتح)»، ص 117.
ثم يبيّن المراتب في هذه المدرسة بقوله: «وقد يصبح أشخاص معيدين في تلك المدرسة, ومنهم من يحصل على شهادة الدكتوراه خاصة الذين يعرفون السرّ الإلهي بين ما كان يردّده النبي الخاتم (اللهمَّ اغفر لقومي أنّهم لا يعلمون) ثم بيّن بكاء الإمام الحسين (ع) على مَنْ سيقتله فيما بعد (أبكي على هؤلاء القوم الذين سيدخلون النار بسببي)»، ص 117.
والدروس في هذه المدرسة لا تتعدّى الحب والفضيلة وصناعة حياة جديرة بالعيش في ظل العدل والحرية والرخاء بعيداً عن الفراعنة والظلم دعاة الفقر وإنصاف الطغاة وشهادة التخرج لا تُمنح إلاَّ لمن يرتوي من مقولة السيدة زينب عندما قال لها أمير المجرمين يزيد (كيف وجدتي فعل الله بكم؟ قالت: ما رأيتُ إلاَ جميلاً, والحمد الله الذي منَّ علينا بنبيه الخاتم) لذلك فإنَّ مقررات الدراسة الابتدائية فيها تقول «إذا كان الإسلام محمديَّ الوجود وحسيني البقاء فإنَّ عاشوراء حسينيّ الحدث وزينبي البقاء»، ص 118.
ومن القضايا المهمة التي عالجها ما جرى من استهزاء بشخصية الرسول الأعظم (ص) في الصحف الدانمركية, وحمّل المسؤولية أولئك الطغمة الفاسدة التي آذت الرسول (ص) حتّى قال (ما أوذي نبيُ مثل ما أُذيت) وتلقّف تعاليمها الخوارج عندما خرجوا على أمير الموحدين ليجهضوا دولة العدل والفقراء وحقوق الإنسان وتبنى أفكارها المنحرفين والمتطرفين في كل زمان ومكان»، ص 100.
ثم خرجوا على الإمام الحسين (ع) وحملوا رأسه ورؤوس أهل بيته وأصحابه (ع) على رؤوس الرماح يطوفون بهم في أزقة الكوفة والشام, هي نفسها التي خلقت الأرضية للصحف الدانماركية أنْ تحدّث هكذا عن الرسول الأعظم (ص), ثم ربط بينها وبين العصابات الداعشية التكفيرية التي تقتل أطفال العراق وشبابه ورجاله هي تلك التي صمّت آذانها وأغمضت عينيها عن مقتل سيّد شباب أهل الجنة الذي قال فيه رسول الله (ص) كلمته الخالدة (حسين منّي وأنا من حسين).
نعم برّر القدامى للمجرمين فعلتهم حينما قتلوا الحسين (ع) بشعار (اجتهدوا فأخطأوا) وعلى هذا فلهم أجر واحد في قتل الإمام الحسين (ع) هم أنفسهم الذين يبررون للدانماركيين فعلتهم ضمن شعار (حرية الرأي والتعبير) نعم هذه مدرسة الاستكبار والاستهزاء والتشويه والتطرف امتداد لمدرسة الانحراف والتخريف والتكفير»، ص 102.
هكذا كان الحمراني يختار مفرداته المعبرة عن الأحداث قديماً وحديثاً, وبقي يستشهد بكلمات الإمام الحسين (ع) ثم يربط موضوعاته بسخرية من الوضع والزمن, من ذلك استشهاده في ص 110 يقول الإمام الحسين (ع) (إذا كان دين محمد لا يستقيم إلاَ بقتلي فيا سيوفُ خذيني), وقولته الخالدة (إذا لم يكن لكم دين ولم تخشوا المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم)» ص 111.
هكذا طالبهم الحسين (ع) بالحرية وعدم الخضوع والخنوع لأسيادهم فكانت معركة بين الحق والباطل وبين الجور والعدل وبين الاستبداد والحرية, وفي النهاية خسر المبطلون, تفوّقوا عسكرياً وخسروا على جميع الأصعدة حين انتصر الدم على السيف وبقيت كربلاء تشحذ همم الأحرار على مدى الزمان لدحر كل باطل والحديث طويل عن هذا المبدع الذي اختار طريقاً جديداً في الكتابة بكل عنفوان وتحدٍّ لكن الأسف كلّ الأسف على المثقفين والقرّاء الذين لم يقرؤوا الكتاب ولم يكتبوا عنه, وقسم منهم تفاعل مع يزيد بن معاوية (لع) وأراد من الحمراني أنْ يحترم حرية يزيد وشخصيته والتعامل معه بشفافية. وأسفاه هكذا كان تفكير بعضهم الذي لا يمتّ إلى الحقيقة.
نعم كان حامد الحمراني بطلاً ومبدعاً ومقاوماً نطق بالحقيقة ولم يخف فإن شاء الله فسيكتبها له الله في ميزان حسناته.



