النسخة الرقميةثقافية

مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم

49

إذا كنا نركن إلى القولِ الَّذِي يسلم إنَّ الإحصاءاتَ لا تعطي صورة كاملة بوسعِها المُسَاهَمَة فِي فهمِ مُشْكِلة الفَقر، فلا رَيْبَ أَنَّ الفَقرَ يُعَدّ مِنْ أكثرِ الظواهر فتكاً فِي حياةِ الأمَم وَالشعوب؛ إذ لا تقتصر تأثيرات هذا الوباء الْمُجْتَمَعي عفي الحالتينِ الاقْتِصَادِيَة أو الاجْتِماعِيَّة فحسب، وَإنما تتعداهما إلى حزمةٍ متشابكة مِن الآثارِ الموجعة الَّتِي مِنْ شأنِها المُسَاهَمَة فِي شيخوخةِ الْمُجْتَمَعات الإنسانيَّة وَالتعجيل بهلاكِها. وَيرى المتخصصون تفرد الفَقر كظاهرة اجْتِماعِيَّة تتساوى مِنْ حيث الشمول في تعدّيها عَلَى حقوقِ الإنْسَان؛ نتيجة تعدد سلبية آثارها الكارثية، وَالَّتِي مِنْ أكثرِها خطورة عَلَى الْمُجْتَمَعِ البَشَريّ هو مَا يخيم عَلَى فضاءاتِ العِلْم وَالثَّقَافَة. وَبالاستنادِ إلى هَذَا الاستدلال يمكن الجزم بأنَّ البؤسَ الَّذِي عاشته الْمُجْتَمَعات المَحَلِّيَّة فِي بلادِنا كان لَه دورٌ مؤثرٌ فِي تشكيلِ وَعيها السِّياسِيِّ، وَهو الأمر الَّذِي يفسر انخراط أبنائها ـ وَمِنْ بَيْنَهم يحيى السَماوي ـ فِي صفوفِ حركة اليسار العراقي بشكلٍ مبكر؛ لأجلِ تحقيق حلم الطبقات المقهورة فِي إقامةِ دولة تظللها الحرية وَيسودها العدل وَالرفاه.
هـي الـتـي
رأتْ كـلّ شيء..
فـأخْـبَـرَتْـنـي عـنـي
ـ ـ
أمِـنْ مـاءٍ جـسـدُك؟
كلما حـاصـرني الـعـطـش
أقـبّـله فـأرتـوي!
أنـامـلـي الـيـبـيـسـةُ تـغـدو فـراشـات
حـيـن تـمـسّـدُ يـاسـمـيـنـه..
يـسـيـلُ الـضـوءُ مـن بـلّـورك
مُـضـيـئـاً لـشـفـتـيّ
الـطـريـقَ نـحو حـقـول الـتـيـن والـزيـتـون والـكـرز!
ـ ـ
الـجـالـسـون فـي الأبـراج الـعـالـيـةِ والـقِـمـم
رؤوسُـهـم مُـنـحـنـيـةٌ
لـكـثـرة تـحـديـقـهـم نـحـو الأسـفـل..
نـحـن الجـالـسـيـن فـي الأوديـة والـسـفـوح
رؤوسُـنـا مُـرتـفـعـةٌ دائـمـاً
لـتـحـديـقـنـا نـحـو الأعـالـي!
ـ ـ
عَلَى الرغمِ مِنْ أَنَّ السَماويَ الَّذِي ارتشف قهوة الأدب مبكراً، عاش وَترعرع فِي كنفِ عائلةٍ كادحة وَمكافحة بالكاد توفر أدنى حاجاتها الأساسية, فضلاً عَنْ استحالةِ إيجاد مكان ملائم فِي منزلِه ـ وَلو بالحدود الدنيا ـ يسمح لَه بممارسةِ هوايته فِي المطالعةِ وَالكتابة الأدبية، إلا أَنَّ ذلك لَمْ يحد مِنْ عزمِه فِي المثابرةِ عَلَى طلبِ العلم وَالسعي إلى الحصولِ عَلَى مواردِ المَعْرِفة، حيث كان يعمل جاهداً مِنْ أجلِ تحقيق مرامه، وَمِنْ بَيْنَ تلك السبل ذهابه فِي أوقاتِ الظهيرة مِنْ أيامِ الصيف القائظ إلى منزلِ صديقه الوَدُود الشاعر وَالفنان التشكيلي وَالناقد التربوي عباس حويجي العوفي الَّذِي موقعه فِي شارعِ «آل مصيوي» بطرفِ الغربي وسط السَماوة مَعَ بعضِ أترابه، وَالَّذين مِنْ بَيْنَهم القاص الراحل السيد اسماعيل السيد رسول «طيب الله ثراه» الَّذِي هاجر إلى الجزائرِ وتوفي فيها، مخلفا وراءه مجموعة مِنْ القصص، وَلا سيَّما قصصِ الأطفال، وَالفنان التشكيلي سامي مشاري الَّذِي أنهى دراسته فِي معهدِ الفنون الجميلة ببغداد عام 1976م؛ إذ أَنَّ وضعَ الحاج حويجي المادي أتاح لابنه عباس تنظيم حياته بشكلٍ جعله قادراً عَلَى ابتياعِ الكتب، فضلاً عَنْ توفيرِ البِيئَة الملائمة للمطالعةِ وَممارسة هوايته فِي الفنِ التشكيلي، حيث كان دَخلُ الحاج حويجي مقارنة بواقعِ عامة أهالي المدينة يُعَدّ جيداً؛ جراء عمله فِي تجارةِ الحبوب، بالإضافةِ إلَى أَنَّ عددَ أفراد عائلته قليل، الأمر الَّذِي مكن وَلَده عباس مِنْ اِسْتِغلالِ غرفة الضيوف الَّتِي يشار إليها محلياً باسْمِ «البراني» أو «الديوانية» فِي متابعةِ هواياته المفضلة وَنشاطاته الَّتِي يحبها، مَعَ العرضِ أنَّ تلك الحجرة كانت مزودة بمروحةٍ سقفية وأرائك خشبية وَبَدن ـ بمثابةِ البراد المعتمد فِي الوقتِ الحاضر ـ لحفظِ الماء بأوعيةٍ وسط الثلج الملفوف بالأكياسِ النسيجية. وَيقيناً أنَّ جميعَ تلك المواد الموجودة فِي برانيةِ الحاج حويجي، وَعَلَى الرغمِ مِنْ بدائيتها وَبساطتها، لَمْ تكن يومذاك متاحة فِي منزلِ السَماوي يحيى وأغلب مجايليه.
لـم يـكـن «عـلـمـاً فـي رأسِـهِ نـار»..
لـكـنـه مـشـهـورٌ أكـثـرُ مـن الجميع
فـهـو الـوحـيـدُ الـكـامـلُ نـقـصـاً
فـي مـديـنـةٍ
جـمـيـعُ أهـلِـهــا نـاقـصـو الـكـمـال!
ظـافـرٌ بـالـرذائـل كـلـهـا..
غـريـبٌ عـن الـشـرف..
لا تـحـزنـي يـا تـفـاحـتـي الـحـلال:
أعـرفُ أنّ مـاءَ غـســيـل ثـيـاب الـمـومـس
أطـهـرُ مـن أن يـكـون حِـنّـاءاً لـشـاربـهِ
لـكن فـضـلـهُ عـلـى الــعـهـر كـبـيـر..
فـلـولاه
مـا كـنـا سـنـعـرفُ
أن بـعـضَ الـمــخـانـيـثِ
يـحـيـضـون
فـيـطـمـثـون مـن ضـمـائـرهـم!
هـل كــان كـتـابُ الـلـهِ
ســيُــقـدِّسُ شـهــدَ الـنـحـلـةِ
لـولا
قـذارةُ الـخـنـزيـر؟
ليس خافياً أنَّ محاولاتِ السَماوي يحيى قصد تطويرِ أدواته الشِعرية وَصقل مهاراته، منحته حافزاً للتفاعلِ مَعَ عالمِ القراءة وَالأدب، حيث مَا يَزال شغوفاً بالإقبالِ عَلَى ابتياعِ الكتب الورقية، حتى مَعَ ظن الكثير مِن النخبِ الثقافية أَنَّ زمنَها انتهى. وَضمن هَذَا المعنى استوقفتني عبارة للشاعر البحريني قاسم حداد يقول فِيهَا «المعرفة التي لا تنميها كل يوم تتضاءل يوماً بعد يوم»؛ إذ أَنَّ القراءةَ بالاستنادِ إلى المُتَخَصِّصين تحفّز العقل، وتخلق الكثير مِن التجارب، فالثقافة مِنْ وجهةِ نظر الروائي والكاتب المسرحي الفرنسي ـ المولود فِي بيئة جزائرية شديدة الفقر مِنْ أبٍ فرنسي وَأم إسبانية ـ ألبير كامو (1913 ـ 1960) هي «صرخة البشر في وجه مصيرهم». وَالمذهلُ فِي الأمرِ هو مَا أثبتته الدراسات العِلْميَّة مِنْ نتائجَ تشير تحديداً إلى أَنَّ القراءةَ الأدبية تُكسب العقل وَظائف معرفية عدة، فضلاً عَنْ أَنَّ مُتعةَ القراءة تفضي بحسبِ الأدبيات العلمية إلى مضاعفةِ تدفق الدم فِي مناطقٍ عديدة مِن الدماغِ البشري، وَثَبَتَ أيضاً أنَّ «دراسة الرواية الأدبية والتعمق في التفكير بقيمتها مِن الأعمال الفعالة للعقل». وَفِي هَذَا السياق يشير الأب الأديب يوسف جزراوي إلى صديقِه السَماوي يحيى بالقول «ينامُ ابو علي وفي عينه قافية، ويفيق وفي بؤبؤ عينه الثانية رباعية. إنّه المتأرّق دائمًا وأبدا، ينام ولا يرتاح. إنّه إبن الشعر، إبن الأرق، إبن المحبة والإبداع العراقي. يقرأ كثيراً وينام قليلاً، معلّقاً على جدران الغربة، غارق في ذاكرة الوطن «. ويضيف جزراوي أيضاً مَا نصه».. ولا يخفى على أحد بأنَّ العربية الفصحى ظلت أداته المفضلة لإظهار فكره الراقي ونفسه السمحة وإيجاد أسلوبه الخاص لتعبيره الأدبي الذي يتسم بالمحبة الكونية. فهو حين يقف على منصة المنبر تلقاه كبلبلٍ جريح يُرفرف بصمتٍ وهو يُغرد اناشيد المحبة والسلام، وحين تقرأ له تلتمس استعداده للتضحية من أجل الغايات النبيلة والأهداف السامية. وَيضيف الجزراوي أيضاً مَا نصه «ولا بُدّ لي أن اعترف أنَّ الرجلَ حين تجمعك به محطات الوجود ستجده من الوزن الثقيل في الشعر والثقافة والإنسانيّة واخلاقيات الحياة». وَفِي المنحى نفسه تخاطبه الشاعرة العراقية رند الربيعي بالقول «استاذنا ومعلمنا الفاضل يحيى السماوي دائما حين اقرأ لك اجد كل ما هو يشبع الرغبة الادبية عند المتلقي ويجد الاصالة في الكلمة والرصانة في اللفظة او المفردة التي تستخدمها في قصائدك المميزة ذات الطابع السماوي».
ثـمـة وقـوفٌ أسـرعُ مـن الـرَّكـضِ..
هـذا مـا قـالـه الـبـئـرُ لـلـجـدولِ
فـي وصـفـهِ الـنّـاعـور!
ثـمـة ركـضٌ أبْـطـأ مـن الـوقـوف..
هـذا ما قـالـه جـبـلُ الـحـقّ
فـي وصـفـهِ
غـزالَ الـبـاطـل!
ثـمـة بـيـاضٌ أكـثـرُ عُـتـمـةً
مـن قـعـر بـئـرٍ فـي لـيـلٍ يـتـيـمِ الـقـمـر والـنـجـوم:
بـيـاضُ الأكـفـانِ و»الـبـيـتِ الأبيـض» مـثـلاً..
ثـمـة سَـوادٌ أكـثـرُ بـيـاضـاً مـن مـرايـا الـصّـبـاحِ:
الـحَـجَــرُ الأسـودُ ومـقـلـتـاكِ مـثـلاً..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى