المقاومة و نهاية الاستبداد
محمّد لواتي
نحن أمام احتمالات قوية بالمقاومة والصادقين فيها للخروج من الأزمات التي جابت مسيرتنا التنموية وحتى التحوّل نحو الديمقراطية، ولكن المهم من وجهة نظري على الأقل هو عدم الالتفات إلى الوراء.
يتدخّل الغرب من الخلف ويبسط قوّته كأداة استجرار سياسي في حافات ما يدّعيه من احترام «لحقوق الإنسان» نحن أمام مواقف، فيها ما هو مجرّد ديكور لفوضى «خلاّقة» وفيها ما هو أشدّ من قوّة التاريخ ذاته وهذا هو منهج المقاومة، غير أن ما يمكن الاعتداد به هو أن هذه الصراعات الآتية من أعماق الذات، وأبعاد التاريخ نداءات قادمة من أجل إعادة البنية السياسية في الدول العربية إلى جوهرها، والابتعاد نهائياً عن الاستنهاض المُتتالي لسياسة الغرب وقوانينه والاحتماء بهما،نحن أيضاً أمام مُتغيّرات لم يحصل مثلها في التاريخ العربي، ولكن برغم كل هذا فإن صراخ الواقع يحتاج إلى سماع مَن يؤمنون بالوقوف بتبصّر ولو للحظات على جدار التاريخ .. يؤمنون بأن السياسة في النهاية هي مصالح تقتضي رصدها كرصيدٍ حضاري لبناء مجتمع يقف على خارطة المستقبل من دون أن ينسى الماضي .. يقف على أمواج المعرفة قصد معرفة ما يمكن وما لا يمكن بناؤه على سلّم الأولويات والمصالح العامة للأمّة، لا بناء على رؤى تفاؤلية تفتقد للنقد وأسس الارتكاز لضمان الارتكازية.
إن فلسفة الانهيار الممارسة اليوم من الدول الغربية ضد بلدان العالم العربي وبمباركة دول عربية هي عدوة لنفسها بالأساس، بحيث ألا تشق طريقها وسط هذا الزخم الجديد والتسابق للعقل العربي نحو عدم الإقرار بالهزيمة، وجهة نظري على الأقل هو عدم الالتفات إلى الوراء، وإلى ما تقوله الولايات المتحدة الأميركية لأنها هي رأس الأفعى المُحرّكة للتخلّف في الوطن العربي، والرافعِة باستمرار لكأس الخراب على رؤوسنا، وما عودتها باستمرار إلى مجلس الأمن وربط مواقفها بالصراخ بـ»حقوق الإنسان» وأخذ قراراتها الإجرامية كسيف قاطع للرقاب إلا أنها ترفض أن ترى هذا العالم خارج الأزمات وخارج وصايتها حتى وإن كانت وصاية هشّة. مثل حال السعودية وقطر والإمارات. إن تهافت المؤسّسات الأميركية على تفصيل سياسات الدول على مقاسها يبدو الآن ضمن مخلّفات الماضي، فالذين يصنعون المقاومة في المساحات الكبرى هم أساس منطق التفاعل مع الأحداث الوطنية لا مع التطوّرات الخارجية لهذه الأحداث .. إن توصيف الدول إلى معتدلة وممانِعة لم يعد له وجود، فالسعودية التي تمثل الولاء الأعمى لأميركا هي الآن على طريق الانتفاضة داخلياً إن لم تتدارك مواقفها ، وأن الأردن الذي ظلّ أميره يتسكّع في حانات أميركا ويرسل جنوده لحماية الجنود الأميركيين في أفغانستان هو الآن في الواجهة واجهة التغيير أو واجهة التبديد. هناك إذن تماثيل بشرية تحرّكها الأحداث في اللحظة الحرجة ولكن من دون فاعلية، وكان من المنطق أن تحرّك نفسها بنفسها قبل صدور أية محاولة لاستنهاضها من غفوتها كما يحدث الآن .. لكن، وبالتأكيد فإن استدراك الأحداث بعد تعميم الفوضى وخروج الظلم إلى الساحات العامة سوف يتحرّك كقوّةٍ خارج منطق الوعي ومن ثم فإن استدراكه فوقياً قد لا يُجدي لا آنياً ولا مستقبلاً، لو تمت تغطية الخارطة السياسية بما لا يُحصى من التنازلات وتوزيع ما في الخزائن على أصحاب القضية، إن الوقت في هذه اللحظات هو الذي يترقّب الأفكار ويوجّه الجميع صوب واقع مُتأرجح بين دفتيّ الحاضر ومنظور المستقبل، لقد حاولت السعودية مؤخراً – استدراك الموقف منها – إحاطة البشر فيها بمليارات الدولارات كفعلٍ استباقي لإطفاء شعلة المطالب في حيِّزٍ مهم من المملكة استحضاراً للوعي مسبقاً بألا يلتفت إلى ما هي عليه الحال لدى جيرانها من ثورات غضب، أو من مؤامرات هي مساهِمة فيها .. كان من الممكن أن توزّع تلك الأموال في وقتها، وفي لحظات غير حَرِجة، وهي في الأصل أموال الشعب لكن الفساد المسيطر على الأسرة الحاكمة مع الاستبداد السياسي والديني جعلت منه رصيداً للفساد كعنوانٍ للبقاء في الحُكم حتى الفناء ، بوضعه ضمن تضخيم ثروتها والتصرّف في الأحداث بالمجّان حتى يظلّ القهر والاستبداد قائمين كعمليات ترويضٍ لكل مُطالب بالإنصاف والمشاركة في إدارة شؤون الدولة ، والمقصود من محاولات الترويض هذه هي لأجل بقاء مجموعة الأمراء تتحكّم فيها بالغشّ أحياناً وبالنصْب والاحتيال احايين أخرى. المهم لقد قفزت الأحداث نحو الواجهة المُحصّنة بأصوات الجميع، أحداث لا يمكن رصد الخطأ في مصالحها لأنها بالملايين، ولأنها أيضاً من العامة وليس من النخبة، وعلى الجميع أن يدرك ان لا مجال لافتراض الوهن فيها، طالما أنها تقدّر الظروف التي نزلت إلى الشارع من أجلها، وأنها تحسب اللحظات بالخُطى الثابتة في مواجهة الواقع، لكن الأخطر في كل ذلك هو أن يتدخّل الغرب من الخلف ويبسط قوّته كأداة استجرار سياسي قصد حصر الواقع السياسي في حافات ما يدّعيه من احترام «لحقوق الإنسان»..إن الرئيس باراك أوباما على وجه الخصوص هو بالتأكيد أحدى أدوات القهر العام للشعوب حتى وإن ادّعى أنه جاء من عصر الرّق ويعرف بالتالي معنى العبودية وسوء تقدير مشاعر البشر، لقد ظل منذ مجيئه يتكّل على الخطأ ويفعل به أخطاء مُتعدّدة ، وبالتأكيد فإن فكره لا يتجانس أصلاً مع ثقافة فكر حقوق الإنسان. لقد ادّعى أنه للشرق عليه سؤال ملح ومهم وأنه لحل الدولتين في فلسطين يسعى، لكن تبيّن أنه عدو لكل بلدان العالم الإسلامي، وصديق حميم لإسرائيل، وهو الذي حاول أن يمدّد الأزمة وإضمار الحقيقة اتجاه فلسطين ولم يستحِ حتى من أصدقائه العرب ، فأمر باستعمال حق النقض في مجلس الأمن بداية عهدته على مشروع قرار ضد المستوطنات بأنها غير شرعية ، وهي بنصّ قرارات مجلس الأمن الدولي السابقة غير شرعية ، مع أن تصريحاته تناقض ذلك، تم يأتي من بعده «دولاند ترامب» بسياسة المقاولات والبزنس ليجعل من إسرائيل الأرض الخصبة لكل المتطرّفين من المحافظين الجُدُد، ويجعل منها القسم الأميركي ومن «نتنياهو»(العنزة الجرباء بتعبير الحاخام يوسف) ومع الأسف تقاسماه هذه المواقف المجنون محمّد بن سلمان والقاصر سياسياً محمّد بن زايد .. إن السؤال الذي يواجه الجميع اليوم هو إلى أي مدى يمكن أن تسيطر المقاومة على الوضع السياسي وتجديد النظام على أسس قابلة للاستمرار وبعيدة عن الاحتواء لأيّ طرفٍ خاصة الطرف الأجنبي..؟ هناك منطق يجب النظر إليه على أنه هو صلب التغيير صوب المعادلة السياسية الجديدة، المعادلة القابلة لاحتواء الأزمات خاصة الآتية منها من بعيد باعتبار أنها نتاج مُستخلّص من ظروفٍ خاصة، ربما تعطّلت فيها الحياة لمدة…المنطق هذا يفترض أن تكون الرؤية فيه قابلة للأخذ بها ومن الجميع أي رفض الإقصاء، وعدم التعامُل بالانتقاء طِبقاً لمكوّنات المجتمع والآراء المُتداولة فيه…إذ صارت الأمور وفق هذا المنحى فإن الخوف من احتواء المقاومة يزول، ويصبح بالتالي الطرف الخارجي الذي تتعامل معه، طرفاً خارجياً لا يمكن أن تمتد يداه لا، إلى عملية الارتباط السياسي الخارجي ولا إلى الارتباط بمنهج الفعل الخارجي.



