في إنتظار هيام قراءة في رواية «ذئبة الحب والكتب» للدكتور محسن الرملي

عمار الثويني
بداية، أود أن أعترف أنني قارئ للأدب الروائي لا أميل إلى أعمال السيرة الذاتية التي برزت بكثرة في أدب ما بعد الحداثة لأن الواقع يغلب فيها على الخيال حرصاً على كاتبها تقديم تجربة تخضع لمعايير المصداقية، ولا أحبذ الروايات التي تتمسرح في أكثر من مكان لأن المكان شطر مهم في بنية السرد وتعدده ربما يشتت ذهن المتلقي، وثالثاً لست من المعجبين بتقنية الرسائل أو وسائل التواصل الاجتماعي الجديدة مثل المدونات لتقوم مقام الأحداث والحوارات المباشرة، لغلبة الحديث على الحدث، وبالتالي تحجيم متعة التشويق.
بيد أن هذه الحواجز الثلاثة، والتي ظهرت جلية في رواية ذئبة الحب والكتب للدكتور محسن الرملي (بيروت/ بغداد) وتقع في 21 فصلاً، قد تهاوت جملة وتفصيلاً في احدى لحظات السرد، لحظة انشاء الكاتب مدونة باسم دابادا (الرواية الشهيرة لأخيه الراحل حسن مطلك) وبكلمة دخول تحمل الاسم المعكوس للرواية مع رقم 718 (الذي يصادف تاريخ إعدامه 18 تموز على يد النظام السابق لاتهامه بمؤامرة قلب الحكم). في تلك المحطة الأهم في العمل، المحطة التي يحيرنا الكاتب فيها بكيفية نجاحه بالنفاذ إلى بريد الكتروني مختلف بطريق الخطأ ويحمل رموزاً سرية قريبة جداً من البريد الذي أنشأه، يتعرف على امرأة عراقية مغتربة اسمها هيام ويكتشف أنها أرسلت العديد من الرسائل إلى حبيبها المفترض «حسن» عبر ذلك البريد. يمكن وصف ما يحصل في صفحة 14 بأنها «لحظة الدخول إلى «عجائب هيام» وولوج العمل إلى «برزخ الخيال» بعدما سار السرد بهدوء وروية عرض فيه المؤلف شطراً مهماً من حياته الاغترابية كثيرة المشقة والمعاناة في عمان برفقة طبقة مسحوقة من العمال المصريين بحثاً عن لقمة العيش وبعيداً عن الدكتاتورية والحصار والمعاناة، وأدرج خلال تلكم الصفحات لقاءاته مع شخصيات حقيقية من بينهم الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي والروائي الأردني مؤنس الرزاز «رحمهما الله».
يمكن القول إن هذه الرواية تقوم على العديد من المثلثات، بدءاً من الفضاءات الثلاثة: السيرة الذاتية (الواقعية)، والخيالية (بوجود هيام) والواقعية الخيالية (البحث عن هيام وكشف حقيقتها)، والأماكن الثلاثة (العراق، عمان، اسبانيا التي هاجر إليها الكاتب بحثاً عن هيامه) والشخصيات الثلاثة المحورية المتحركة خلال أنساق العمل: الكاتب نفسه، وهيام، العراقية المغتربة التي تعيش مع عائلتها في اسبانيا، وحسن مطلك، الغائب الحاضر في هذا النص. أضف إلى ذلك، تطرح هذه الرواية ثلاثة أسئلة جوهرية في الأقل: ما الذي عناه بالذئبة؟ ولماذا أقحم أخاه حسن مطلك الراحل؟ ولماذا وهب جل السرد لهيام لتتحدث بكل هذه التفاصيل بينما آثر أن يكون هو ـ أي المؤلف ـ شخصية الظل، في المقعد الخلفي لمركبة السرد؟
فأولاً، محسن الرملي يجيد الكتابة الواقعية بامتياز، دون تكلف أو مبالغة، ولكن بأسلوب مميز قريب من الواقعية السحرية، ويظهر ذلك جلياً في أعماله العديدة مثل الفتيت المبعثر وتمر الأصابع وحدائق الرئيس التي ترجمت إلى العديد من اللغات العالمية، وهي الأعمال التي تتميز بواقعيتها وسردها الإنساني التي يتماهى فيه الواقع مع الخيال بنمط حكائي بارع التفاصيل.
وثانياً اختار ثلاثة أماكن: العراق المنهزم منه بتركة ثقيلة وحزن عميق دون أن يفتر عشقه له، بلده الذي يئن بألوان الجراحات والمعاناة كافة ، والأردن التي قصدها كمحطة لا بد منها في مسيرة كفاح وشظف عيش شديد مع أحد عشر عاملاً بغرفة واحدة دون أن يوهن كل ذلك الرغبة المتقدة للكاتب لمواصلة طموحه في القراءة والكتابة وعشق الأدب والسير على ما مضى فيه أخوه حسن. وأخيراً، كانت اسبانيا التي سافر إليها بشق الأنفس لإكمال دراسته وللبحث عن هيام والحب المفقود.
وثالثاً، على صعيد مثلث الشخصيات الرئيسة، محسن وحسن وهيام، فإن الشخصية الرئيسة (المؤلف) مستعرضة من خلال عيون وتفاصيل المحيطين به، حيث ترك لنا الكاتب المساحة الرحبة للتفكير والتخيل والتأمل في الطباع المجبول عليها: الهدوء، عشق الحياة، التفاؤل، والأمل وطيب السريرة. وبخلاف العديد من الكتاب الآخرين، يميل الرملي إلى غلبة الإيثار على الاستئثار، لا يبالغ بالطرح عن شخصه وتلميع صورته مع كل الكاريزما التي يملكها، بل يلوح لكأنه ظل نفسه. وبإدراج أخيه حسن بين ثنايا العمل، صنع من شقيقه الراحل المحور الأساس للعمل، فمن خلال هذه الشخصية دخل المؤلف عالم عجائب هيام المغرمة بحسن وبدابادا، في لفتة ذكية أراد منها التأكيد أن الأدب خالد، والنتاجات المميزة تظل نابضة بالحياة أبد الدهر حتى بعد رحيل صاحبها، بحيث يشعر كل من يقرأ هذا العمل أن حسن مطلك حي بيننا.
لقد نجح الروائي تماماً من خلال اقحام أخيه وتسليط الضوء على أهم نتاج روائي للكاتب الراحل، دابادا التي اثارت وما زالت تثير اهتمام النقاد بكونها عملاً متفرداً، في تحقيق تكريم معنوي لطبقة الأدباء والمبدعين الذين كانوا ضحاياً لأعتى نظام في بلد ألف ليلة وليلة، البلد الذي لم يعد فيه أي تقدير واهتمام للإبداع والجمال والأدب حتى بعد زوال الدكتاتورية. لذا نرى الروائي يدشن نصه وفي السطور الأولى تماماً بالقول: «أنا… أنا محسن مطلك الرملي، مؤلف كل الكتب التي تحمل اسمي، باستثناء هذا، ولو لم أكن شقيقاً لحسن مطلك، لكتبت ضعف ما نشرته حتى الآن، أو لما كتبت أياً منها أصلاً» (ص11). فهو بهذه المقولة الافتتاحية أكد حالة الايثار، وأدخلنا في عالم حسن مطلك كشخصية حية ومهمة، وأشعرنا، وهو الأهم- وباستهلال ذكي- بأن الرواية لا تعود له حتى وهو كاتبها، ليوصل رسالة مفادها أن أخاه صاحب الفضل الأعظم فيها، ولولاها لما وجدت هذه الرواية أصلاً.
أما الشخصية الثالثة، هيام، فقد وهبها المساحة الكبرى من السرد، بل أن الكاتب بوأها عنوان العمل «ذئبة الحب والكتب» لما يتصف به هذا الحيوان، رغم صورته الشرسة لدى البشر، بالذكاء الشديد والإخلاص والحب. كانت هيام هي الباحثة عن الحب الذي لم تجده وهي في الأربعين، كونها متزوجة من شخص يكبرها بقرابة نصف عمرها ولا يشاطرها أو تشاطره أية مشاعر. وفي احدى الرسائل المبتعثة إلى حسن، تنعت هيام نفسها بـ «العذراء» كناية بأن بكارة قلبها لم يفتضها أحد (ص18). لقد وجدت في حسن الحب الذي تبحث عنه، ونافدة الأمل التي تتنفس الحياة من خلالها، والعشق المفقود الذي طالما طلبته، فأخذت تبادله الرسائل وتكتب في كل شيء: تاريخ أجدادها المسرود بطريقة حذقة وحكايات الشجاعة والعذر، زواج والديها، طفولتها، دراستها الجامعية في البصرة ومكوثها مع بيت أقاربها في منطقة الخمسة ميل، هروبها من بغداد مدة القصف إلى مناطق الأهوار وقصة الفتاة «بشعة» وعيونها الثاقبة ومطاردة لها حتى تمكنت منها، اللجوء إلى اسبانيا وتعلم لغتها، الحياة اليومية العائلية الروتينية بكل تفاصيلها حد الممل وعشقها للكتب.
خلال رحلة بحث الرملي عن هيام، ومضت في فكري مسرحية ’في انتظار غودو‘ الشهيرة لصموئيل بيكيت، والتي تدور حول شخصيات معدمة، ومهمشة، ومنعزلة تنتظر شخصاً يدعى (غودو) ليغيّر حياتهم نحو الأفضل، لكن طريقة السرد كانت عبثية تكتنفها نزعه سوداوية وسخرية لا متناهية. وفي نهاية العمل المسرحي، نكتشف أن ’غودو‘ هو الذي لا يأتي، المشكلة التي بقيت بدون حل، لأن ’جودو‘، مع كل الرمزية التي خلعها بيكيت عليه، هو مجرد ’الانتظار‘- الانتظار الذي نكتشف في خاتمة المطاف ألا وجود حقيقياً له أصلا أو لا معنى له. ولكن في رواية ذئبة الحب والكتب لم نعش تلك الحالة المدقعة من السلبية والعبثية واللا معنى جراء انتظار غودو، لقد كان، بفضل السرد المحكم في هذه الرواية، لوناً من البحث الإيجابي لا الترقب العبثي، والحراك مقابل الجمود، والأمل بالعثور على هيام لا المحاولات اليائسة من وصول جودو، والتشويق عوضاً عن الملل، فسرنا مع الكاتب وعشنا بين صفحات الرواية لحظات التشويق والحيرة والترقب أملاً في العثور على هيام، في اسبانيا والعراق، لا يهم، فكل ما نريده للشخصية الرئيسة أن تلتقي بهيام. وحتى بعد اسدال الستار عن آخر صفحة في الرواية وفك اللغز عن تلك الشخصية الانثوية، فإننا ننحي العمل جانباً وفي شفاهنا يظل سؤال جوهري: «أين هي هيام؟»
لقد نجح الكاتب في أن يقدم لنا شخصية مميزة من نسج الخيال وعرضها بطريقة ربما لو كانت هيام حقيقية لما كتبت عن نفسها بهذا الأسلوب الحكائي والسجايا العفوية، الجريئة، الذكية، العاشقة، والإنسانية. وسواء أكانت هيام من نسج خيال الكاتب تماماً أم صوراً متقطعة الأجزاء برع المؤلف في فك أحجيتها لصياغة الشكل النهائي لها، فإنها أضحت «ذئبة الحب والكتب» حقاً، وواحدة من الشخصيات المميزة التي لا يخلقها سوى الأدب المميز، ولا تعيش إلا في ثنايا السرد المحكم، وهو الأمر الذي انفرد به محسن الرملي في هذا العمل الجميل.



