الاستشراق والدراسات الجغرافية عند المسلمين «1»
لقد حثَّ الإسلام على السياحة في الأرض والتفكّر في خلق الله تعالى ليكون ذلك سبباً في العلم وزيادةً في الإيمان واليقين, قال تعالى «قُلْ سيروا في الأرضِ فانظروا كيف بدأ الخلق ثُمّ اللهُ يُنشئ النشأةَ الأخرى إنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير» (سورة العنكبوت الآية 20)، وقال تعالى: «التائبونَ الحامدونَ السائحونَ الراكعونَ الساجدونَ الآمرونَ بالمعروفِ والناهونَ عن المنكرِ والحافظونَ لحدود اللهِ» (سورة التوبة الآية 112)، وقال تعالى: «إنَّ في خلقِ السمواتِ والأرضِ واختلاف الليلِ والنهارِ لآياتٍ لأولي الألبابِ الذين يذكرونَ اللهَ قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكّرونَ في خلقِ السمواتِ والأرضِ ربَّنا ما خلقتَ هذا باطلاً سبحانكَ فقنا عذابَ النار»، (سورة آل عمران الآيتان 190 ـ 191).
ولهذا وجدنا المسلمين ومنهم العلماء جابوا الأرض وزاروا البلدان ووصفوها على الرغم من ضعف وسائط النقل والمخاطر التي كانوا يواجهونها في أسفارهم ممّا هو مدوّن في كتب الرحالة. وقد اعترف بعض المستشرقين وهو (لوبون) بهذه الريادة بقوله: «كان العرب من السُيّاح المقاديم كلّ وقت, وكانوا لا يخشون المخاوف ويجوبون بقوافلهم داخل أفريقيا كأمرٍ بسيط فيصادقهم فيها الأوربيون الذين لا يبلغونها إلاّ بشقّ الأنفس. وكان للعرب منذ السنين الأولى من قيام دولتهم علاقات تجارية بما كان الأوربيون يشكّون في وجوده من البلدان كالصين وبعض بقاع روسيا ومجاهل أفريقيا.
وممّن اشتُهرَ بالسياحة وتدوين أحوال البلدان (الناصر سليمان) في سياحته بلاد الصين, فقد أبحر سليمان من مرفأ (سيراف) الواقع على الخليج حيث كانت تكثر المراكب الصينية وجاوز المحيط الهندي وبلغ شواطئ بلاد الصين, وكانت رحلته سنة 815 هـ ثمّ أكمل أحد أبناء وطنه (أبو زيد) كتابة هذه الرحلة سنة 880 هـ وأضاف إليها معارف أخرى من عرب زاروا الصين. وكتاب (سليمان) الذي نُقِلَ إلى اللغة الفرنسية في أوائل القرن العشرين يُعدّ أوّل مؤلّف نُشرَ في بلاد المغرب عن الصين.
وإذا كان سليمان باحثاً غير مشهور فهذا المسعودي المؤرّخ المشهور الذي وُلِدَ ببغداد أوائل القرن التاسع الميلادي الذي سمّاه (سارتن) (بلينوس العرب) الذي قضى خمساً وعشرينَ سنة من حياته في التطواف في مملكة الخلفاء الواسعة وباقي المماليك المجاورة كبلاد الهند وقيّد ما شاهده في تأليفه الكثيرة المهمّة التي يُعدّ من أشهرها (مروج الذهب) الذي وصفه العلاّمة العربي (ابن خلدون) الذي ظهر بعد المسعودي بأربعمئة سنة بقوله : « فأمّا ذكر أحوال العامّة للآفاق والأجيال والأمصار فهو أسٌّ للمؤرّخ تُبنى عليه أكثر مقاصده وتتعيّن به أخباره» وقد كان الناس يفردونه بالتأليف كما فعل المسعودي في كتابه (مروج الذهب) الذي شرح فيه أحوال الأمم والآفاق لعهده في عصر الثلاثين والثلاثمئة (941 م) غرباً وشرقاً, وذكر نِحَلهم وعوائدهم ووصف البلدان والجبال والبحار والدول وفرق وشعوب العرب والعجم فصار إماماً للمؤرّخين يرجعون إليه وأصلاً يعوّلون عليه في تحقيق الكثير من أخبارهم.



