اخر الأخبار

كيف يُكَفِر الساسة عن سيئاتهم؟!

من يرقب بعين باصرة وعقلية بصيرة، الحراك الذي يدور هذه الأيام بين القوى السياسية، فسوف يعزو وبلا جهد في التفكير،دوافع التناحرات التي باتت عنوان المشهد السياسي، الى أن الساسة منشغلون بترتيب أوضاعهم؛ وليس أوضاع الشعب، فهم بالحقيقة لم يضعوا لهموم الشعب وقضاياه؛ مساحة في تفكيرهم، إلا بالقدر الذي يوظّف تلك الهموم والقضايا، لمصالحهم الشخصية والحزبية والفئوية أيضا، لأنهم لا يجدون متسعا من الوقت للنظر الى مسافات أبعد أرانب أنوفهم، «يا شعب يا بطيخ»!

كمتابع وإعلامي وسياسي؛ لا يحتل مكان بين هؤلاء المتناحرين، بل يقف في وسطٍ مهمته صناعة الرأي، يتيسر لي أن أنظر الى مسافة أبعد مما ينظرون، وأفكر دائما في غير الذي فيه يفكرون، فلا أجد بداً من أن أُذكر؛ هؤلاء الذين وضعتهم آليات الديمقراطية على ظهورنا، بأن مآل واقعنا الذي شهد الإنتكاسة تلو الإنتكاسة، يفترض بهم القفز فوق كل السياسات الصغيرة والإشتراطات السقيمة، التي تكشف عن خوائهم الوطني؛ وتدعونا الى أن نرتاب بهم كأشخاص، وبنياتهم كمسالك!

في هذا المقطع الخطير من حياة شعبنا، والذي لم يواجه مثله طيلة تاريخه؛ الذي شغل ثلثي تاريخ البشرية، لأنه مقطع البقاء من عدمه، فإن من المهم على الطبقة السياسية المتصدية، أن تعي أننا لحد الآن، لم ندخل في مشروع بناء الدولة، مع أن عناصر المشروع متوفرة، لكنهم لم يفكروا بإستخدامها وتوظيفها في عملية البناء.

إن الذي أنجزناه؛ وإن كان كبيرا بالإلتفات الى الوراء، لكنه ما زال بعيدا أن يوصف بأنه «دولة»، وإذا كانوا راغبين بأن نبني «دولة»، فلا بد أن يتخلوا تماما عن الصغائر، وعن السياسات الفراغية، ليتوجهوا صوب السياسات الكبيرة، التي تمد البصر إلى البعيد؛ حيث مستقبل شعبنا.

عليهم اليوم والآن قبل الغد؛ أن يقتنعوا أنه لا مناص من إجراء عملية جراحية عميقة؛ في الدماغ السياسي العراقي، وأول خطوات تلك العملية المعقدة، هو أن يلتفتوا الى الوراء، وينظروا في التاريخ قديمه وقريبه، وسيكتشفون أن معظم الذين سبقوهم؛ ذهبوا الى مزابل التاريخ، وأن قلة قليلة فقط، هي تلك التي خلدتها أعمالها الجليلة.

الخطوة التالية؛  والتي ستساهم بالتأكيد في إنجاح العملية الجراحية الصعبة، هي أن يتعلموا «فضيلة» الجلوس الى بعضهم بعضاً؛ وبلا ملل الى بعضهم على طاولة واحدة، يتكافؤون فيها بالمنزلة، وفقا لإستحقاقات التمثيل والثقل السياسي، لا أن تتصور الزرازير انها باتت شواهين، بمجرد أنها دخلت العملية السياسية، وبعبارة أخرى أن يعرف كل طرف قدره وحجمه، وعليه أن يتصرف بناءا على ذلك فقط.

هذا هو الذي يجب أن يكون، وهذا هو الذي يجل أن يلقى عن قناعة إستجابات واسعة، من الساسة على مختلف توجهاتهم.

كلام قبل السلام: نحن في شهر الحسين عليه السلام، وهو شهر الطهر والنقاء والتضحية، ولعلها فرصة لن تتكرر للساسة، لأن يكفروا عن سيئاتهم، ويًضَحوا قليلا من أجل شعبهم، ويرموا خلف ظهورهم خلافاتهم، ويشرعوا بالعملية الجراحية..!

سلام..

قاسم العجرش

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى