النسخة الرقميةثقافية

من يوميات طفل

د. محمد الدفراوي ـ مصر

 

لم يكن الصبي قد بلغ الخامسة عشرة من عمره حين تولي مسؤولية إعالة اسرته، بعد وفاة ابيه المفاجئة، فوجد نفسه مثقلاً بالأعباء، لم يرث عن ابيه سوى شقاء غشيم، وقدر يتيم. في السادسة صباحا صيفا او شتاء اعتاد ان يحمل كيسه و فيه خبز ناشف ونصف قطعة جبن مجفف، فأسه المقدود فوق كتفه النحيل، بعينين لامعتين وقلب ذهبي يتعاطي الامل قبل الطعام وبعده، يداه لا تنامان، صوته كمواء قط جائع، ضحكته بيضاء تطل من فوق أقدام متعبة، واسمال مثقوبة، وفرحة مؤجلة، جلس على رصيف مدينته القاسية كلقيط أمام باب مسجد، غارقا في صمت مطبق طويل، في انتظار متعهدي الأنفار، يشن مظاهراته على الذباب اللزج بين الحين والآخر، يجول ببصره كعصفور بين الناس، يقسمه بين السماء والأرض.. تلاحقه خيالات من حرير، لا يخلو فكره من هم على اعتاب قصيدة شقاء يومية، ماذا لو فاته عمل يوم؟! كيف سيواجه كلاب بطون اسرته المسعورة؟
لم يكتف بالانتظار الذي تعلمه من مصير حجزه بين قضبان مملة ليبدع في الحلم أو في الخيال، يستدرجه خياله لركوب أحصنة التتار الجامحة لسفر بعيد خارج حياة العدم، يطارد بالخيال كل ما يود.
أسلم نظره لرجل يمسك ولده بيده، ولد أوتي من كل شيء حتي الابتسامة البرئية ترتسم علي جبينه فتزيده نورا وبهاء.. والده يشده إليه مداعبا مستقبله.. اطال هو النظر حتي كادت أن تقع عيناه على الأرض من فرط الإبصار والبحلقة.. تمني أن تصالحه الحياة يوما.
نظر لنفسه وكأنه عاد من سفر طويل او افاق من إغماءة مجذوب في حلقة ذكر.. التقط النسيان الذي سقط منه على الأسفلت قبل قليل، نظر إلي نفسه سالت دموعه اللاذعة علي خديه كخطين متعرجين بطعمهما المر في فمه، أحس بأن حياته فخ أو شبكة معقدة من الأنفاق، ستر نفسه بقماش الصمت المرقع.
اختلطت مشاعره وتضاربت.. لمن يوجه لومه وعتبه؟
لوالده وما ورثه عنه؟ أم لحياة متشعبة في اللا فهم، جعلت منه صفحة من كتاب طلاسمها الأسود؟
استسلم لما وجد نفسه عليه، وعقد قلبه على وعد.. كما في عينيه وعد بأن يهزمها، فلم يكن يعجبه منطقها في توزيع العطاء..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى