الاخيرةالنسخة الرقمية

استخدمت في المراقد المقدسة للائمة الأطهار «عليهم السلام» المينا .. زينـة عمــل الحـرفيين وبهجة أعمالهـم الفنيــة

شاع استخدام تقنية توشيح المصوغات والنفائس بالمينا والأحجار الكريمة في الثقافات القديمة بغية كسبها جاذبية متميزة ملفتة للنظر، فهي تعد زينة عمل الحرفيين من الصاغة وبهجة أعمالهم الفنية، وكان ابتكارها شيّقا ومفيدا، فقد عوّضت المصنوعات من التحف والمصوغات عن ألوان الاحجار الكريمة والثمينة وثقل وزنها وارتفاع أسعارها، اذ تشع المينا الملونة على خلفية المعدن النفيس كأنها جواهر حقيقية لكنها من ابتكار الفنان وصناعته. ويميز المتابع لتأريخ هذه التقنية في الثقافات القديمة وما تبعها، ان طلاء المصوغات بالمينا استخدم في زينة الحلي في مواطن معينة دون صقلها لتكتسب ظاهريا هيأة الأحجار الكريمة كالماس والياقوت وغيرهما، حتى أصبحت فنا مستقلا بذاته ذا جمالية فريدة لافتة للأنظار. أما عن ماهية المينا فهي لا تتجاوز كونها مادة زجاجيّة أتت من خليط فتات الزجاج المذاب مع الرصاص ومادة البورق، وتكسب ألوانها المختلفة عادة عبر إضافة الأكاسيد المعدنيّة (أكسيد الزرنيخ للون الأزرق، واكاسيد الحديد والمنغنيز للون الأحمر الأرجواني واوكسيد القصدير للون الأبيض)، على ان يتم ذلك تحت درجة حرارة تصل الى 780 درجة مئوية وبوقت لا يتجاوز دقيقتين ونصف الدقيقة (وذلك تبعا لحجم النموذج المراد تزيينه)، وبفعل عامل الحرارة العالية يذوب الخليط الكيميائي للمينا متجانسا متوغلا في سطح المعدن المصاغ، مشكلا صورة فنية متميزة ذات فرادة لمصاغ المينا بكيانها الاسلامي البديع.
المينا تميّز ضريح سيد الشهداء
ابي عبد الله الحسين (ع)
ابدع الصاغة المسلمون بتوشيح أعمالهم بالمينا بألوانها المتعددة وتقنيات استخدامها المختلفة، فقد انتشر استخدام المينا بنطاق واسع من العالم الاسلامي شملت الكثير من بلدانهم كالهند وأواسط آسيا وإيران وبلاد الشام والمغرب العربي والعراق ودول أخرى اسلامية، وخير مثال للمينا في العراق هي تلك التي نفذت في المراقد المقدسة للائمة الأطهار في العراق ونخص ما تميّز منها في ضريح سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين (ع) حيث زينت بها أجزاء من الأبواب والشبابيك الخاصة بالضريح الشريف والتي تفاوتت ألوانها بين المينا السوداء «كما في القطعة الكتابية الموجودة فوق ضريح الشهداء»، والزرقاء المتمثلة بنقوش المينا التي شغلت حيّزا من الابواب المؤدية الى الضريح المقدس، ومن الملاحظ في أنواع المينا الموجودة حول الضريح الشريف انها تشترك بألوان موحدة استخدمت فيها وهي الاسود في بعضها والأزرق الغامق والأخضر الفاتح والأصفر في بعضها الاخر، ومن الملاحظ ايضا اختلاف بعض التقنيات المستخدمة فيما بينها على الرغم من طغيان المينا المفصصة بشكل كبير.
استخدامات الفنان الاسلامي للمينا
هنا لابد من الاشارة الى أهم تقنيات استخدام المينا لدى الفنان الاسلامي في المصوغات، وهي كما تداولها الفنان المزخرف كانت كالآتي:-
1- المينا السوداء، وتتميز هذه التقنية عن الاخريات، بان تطعم أرضيته الذهبية أو الفضية بمسحوق معدني ذي قوام متكون من الفضة والنحاس والرصاص والكبريت التي تمزج وتصهر ثم تبرّد وتسحن مكوّنة مادّة على شكل مسحوق أسود يشبه الكحل، عكس المينا الملونة الاخرى التي يستخدم فيها مسحوق زجاجي كما في المينا الملونة، وتستخدم المينا السوداء عادة لتزيين سطوح الفضة البرّاقة عالية العيار.
2- المينا المحفورة، وقد شاع استخدامها في المصاغ المغولي الاسلامي في الهند، وهذه التقنية أيسر من الاخريات، حيث تكون بطريقة الحفر الذي يكون شبكة من القنوات الرقيقة مفصولة عن بعضها البعض بحواف دقيقة تنشر عليها مساحيق المينا لتملأ الاخاديد الزخرفية المحفورة على السطوع، لتوضع في الفرن لتسخن ثم تبرد بعد ذلك وتصقل لتكون جاهزة كتحفة فنية مميزة.
3- المينا المرسومة، وهذه التقنية اشتهر بها الحرفيون في ايران، وهي تقنية تتجاور ألوانها فوق سطح المصوغة وهي تعتمد على مهارة الفنان ومدى خبرته في التحكم والسيطرة على درجات الحرارة المختلفة اللازمة لإذابة الالوان المتنوعة للمينا، لتجنب سيلان واختلاط المينا الذائبة على السطح ومن الجدير بالذكر ان من يقوم بصناعة هذه التقنية لابد ان يجمع بين حرفته كصائغ ومقدرته العالية في الرسم وتشكيل مفردات النقوش.
4- المينا المفصصة، وهي أهم تقنية مينا استخدمها الصاغة الفاطميون والأيوبيون والأندلسيون والمغاربة بشكل عام ولانجاز هذه التقنية يؤخذ سلك معدني يشكّل بواسطته تفاصيل الزخرفة أو الخط المراد تكوينه على السطح المعدني «الارضية»، فتكوّن هذه الاسلاك الشبكة الزخرفية التي تظهر على شكل خلايا فارغة يملأها الصائغ بمساحيق المينا بحيث يبقى كل لون مستقلا ومعزولا بشكل محكم عن باقي الالوان الاخرى، لتوضع القطعة الفنية في الفرن بغية اذابة المساحيق لتبرد بعدها وتصقل لإكسابها هيأتها الزجاجية النهائية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى