الإنابة إلى الله..لا بدَّ منها لمجاهدة النفس
قال الله تعالى:{وأنيبوا إلى ربّكم}..إذا كانت التوبة تراجعا عن ارتكاب الذنوب والمعاصي من أجل السير على الصراط المستقيم للتقوى والطاعة والموافقة، فإنّ الإنابة هي الرجوع إلى الله تعالى. ولهذا، فهي تأتي بعد التوبة، وتكون درجة أعلى في مجاهدة النفس من أجل انبعاث نور المحبة الهادي إلى الله..والإنابة إلى الله تعني أن نجعل وجهتنا الوحيدة في الحياة الوصول إلى الله، وبذلك يكون نظرنا الدائم إليه؛ فنجعل حياتنا دائرة حول محوره..وإنّما تتحقّق الإنابة في ثلاثة أشياء:الأول:الرجوع إلى الله تعالى بالإصلاح، كما رجع إليه بالاعتذار..والثاني:الرجوع إليه تعالى وفاءاً بالعقد والميثاق الذي كان بيننا وبينه، كما رجعنا إليه التزاما بالعهد الذي قطعه علينا كبني آدم..والثالث:الرجوع إلى الله تعالى بالباطن والحال المعنويّ والسجية النفسية، كما حصل الرجوع إليه استجابةً لأمره تعالى وانقيادا له..ففي الشيء الأوّل، لا بد أن نعمل على إصلاح كل ما أدّت إليه ذنوبنا والتكفير عنها بحسبها. فبالمال إن كانت الذنوب سببًا لخسارة وتضرّر الغير. وبالهداية إن كان سلوكنا أو قولنا قد أدّى إلى انحراف إنسانٍ ما أو وقوعه في المعصية أو افتتانه؛ وهكذا.. فنعمد إلى الماضي من حياتنا لنصلحه من خلال إصلاح الآثار، بعد أن ندمنا وتبنا وتركنا العصيان والخطأ..وإنّ مرحلة الإصلاح شرطٌ أساس لتطهير الباطن، وهي تعبير عن صدق الطلب. فكيف يمكن لنا أن نكون سالكين إلى الله ونحن لا نكترث بما مضى ولدينا القدرة على إصلاحه ونفي تبعاته؟! ولذلك قال صاحب المنازل إنّ الرجوع إلى الله تعالى هنا لا يستقيم إلا بثلاثة أشياء:بالخروج من تبعات الذنوب والمعاصي..والتوجع للعثرات والتألم منها..واستدراك الفائتات بالقضاء والتكفير..وبهذا نتقدّم إلى الله على طريق الطهارة طلبًا للطهارة المطلقة، ورغبةً بالوصول إلى الطاهر. وهذا هو التوفيق الحاصل من الموافقة بين النفس وغايتها..وفي الشيء الثاني مثلما أنّ الله تعالى عهد إلينا أن لا نتّبع خطوات الشيطان، فإنّه عزّ و جل قد أخذ منّا الميثاق وجعل بيننا وبينه عقد العبودية. وعمق هذا العقد أن لا نرى لأنفسنا حولًا ولا قوّة ولا نطلب لها حظًّا، إلا بما يأمرنا الله تعالى. فإنّ العبد الحقيقي لا يكون له سوى النظر إلى سيده ومولاه والتسليم له في كلّ شيء. فهو المملوك الذي لا معنى لوجوده، إلا بأن يكون عين الخضوع والانقياد.وإذا أناب إلى الله حقًا، فلن يشغله عن عبادة ربّه والتوجّه إليه والانشغال به شيء؛ فيرى العباد مستغرقين في بحر رحمة الله ولا يستهين بهم ولا ينشغل بتعداد ذنوبهم والتفكّر في عيوبهم، لأنّه مشغول بشأن ربّه.ويصبح شديد الاهتمام والبحث عن علل طاعته وعيوب خدمته وعبوديته لله تعالى. لأنّ الإنابة إلى الله تعني الرجوع إليه شأنًا، وذلك يعني أن لا يكون بينه وبين ربّه حجابٌ من نفسه. وأشدّ الحجب ما كان ناشئًا من التقصير بحقّ المولى.وما دام العبد ناظرًا إلى عمله ويراه وسيلة للوصول إلى الله، فهو ناظر إلى حوله وقوّته. وبذلك لا يكون سالكًا بقدم العبودية. ولا سلوكَ حقيقيًا إلا بذلك. فاليأس من العمل يعني انتفاء هذا الاعتبار، ورؤية كل خدمة أو طاعة عين المنّة والتوفيق من الله تعالى.ولأنّنا عبادٌ فقراء محتاجون، لا نملك لأنفسنا نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فنحن المضطرّون الذين انقطعت بنا السبل ولولا فضل الله علينا وعنايته لغرقنا في متاهات الضياع. ويجب أن يكون هذا حالنا دومًا.



