النسخة الرقميةثقافية

عفوية الملامح.. جبارة الروح

سحر العبادي

أحببتك بكُلِ جوارحي وقتلوني بكُلِ جوارحهم ، أدمنتك كالثمالى وأدمن الزجرُ أبي على مسامعي.
هكذا كانت وسماء تُخاطب حبيبها «أمجد» بعد انتهاء حفلِ السياط الذي يُقيمه والدها ليلاً، بعد كلِ إصرار تُقدمه لأبيها، بأنها لن تتزوج مخلوقاً يُخلق ما عدا الشخص الذي طرب الوتين له.
كانت «وسماء» شابةٌ ذكية، فتاة جامعية، ذات وسامةٍ و رقي، وثقافة. تبلغ من العمر إثنين وعشرين عاماً، وقد عاشت حياة بائسة جداً، في ظل أب رفض عقد قرانها على «أمجد» الشاب الذي شغفها وداً وهام بها هياماً وأقسم أن لا يتزوجها غيره، لكن المجتمع لا يؤمن بأن الفؤاد أسير من هوى، ولا يفك أسره السياط ولا حتى المشانق التي تُعد للتوبيخ. فقد كان والد «وسماء» يقسو على ابنتهِ كلما جاءت والدة «أمجد» خاطبةً ابنته، حيثُ كان يرفض أي وسيط يتدخل في الأمر؛ لكون «أمجد» قد تزوج مسبقاً، من زوجة أخيه الشهيد، ولن يفقه والد «وسماء» بأنه كان مجبراً على الارتباط من أرملة أخيه؛ لضرورة عيش الأرملة في عادتهم، في كنفِ رجل، من أجل رعايتها ورعاية أولادها على أتم وجه. وفي إحدى الليالي حيثُ شعور «وسماء» بأن الأبواب جميعها مؤصدة في وجهها وأن الأمل قد شُيع على أعتاب حجرِ والدها، وما بين الدمعةِ الحارقةِ لمقلتيها والحسرة التي تكوي خافقها.
رن هاتفها، وإذا به «أمجد»:
أمجد: ألو، كيف حالك حبيبتي، حسناً، حسناً فهمت، تمهلي قليلاً، كُفي عن البكاء، فقد خَطَرَ على خاطري فكرة وجَئت مقتسماً أفكاري مع أنفاسي العالقة بين قلبي والوريد.
وسماء: نعم ما عندك؟ هأنا أنصت إليك.
أمجد: غداً سوف يأتي إنسان معروف وذو مركز ديني مرموق على مستوى العراق أجمع، وقررت في قرارةِ نفسي أن نذهب له أنا وأنتِ ونشرح له قصتنا، ونطلب منه أن يذهب لأبيكِ خاطباً إياكِ منه.
وسماء: حسناً، سأذهب حيثما أنت ذاهب.
وفي اليوم التالي، في الساعة الرابعةِ عصراً، تحديداً من يوم الجُمعة في شهرِ آب، ذهبا إلى السيد الجليل، وشرحا قصتهما، وتعاطف معهما، وذهب إلى والد الفتاة، وجرت المقابلة على أتم وجه، وكأن ردة فعله كانت تقول: (سيحدث من بعد ذلك خير) لكن ما خُفي في الصدور كان أدهى وأمر!
وانحسرت الشمس في تلك الليلة وأعلن الليل سدوله، وأعد وأستعد والد وسماء للحفلةِ المعتادة، لكن في هذه المرة لن يقتصر الأمر على الضرب وحسب، وإحمرار الجسد من شدةِ حدة الشوط، بل كان شعرها يتقطع من شدة السحبِ إلى النهر، حيثُ أدخلها إلى النهرِ مراراً وتكرارا، أذاقها الغرق غصةً بعد غصة على أن ترفض حبيبها؛ وينهي حفلة التعذيب بجملةٍ واحدة (أنا أرفض الزواج من أمجد وكفى)! لكن لم تكن قائلة سوى: (العشق دمر أوردتي، وسياطك كالشهدِ على ثغري، تناسى ما أنت طالبه)! فقد كانت روحها جبارة ترفض الاستسلام.
وفي اليوم التالي ذهبت إلى الجامعة وهي في حالةٍ يُرثى لها، وقد كان بادياً على محياها، وكانت تشكو الجور والظلم لرفيقتها، فقررت فيما بعد أن تتفق مع حبيبها، أن يذهبوا إلى عالمِ دين؛ ليعقد لهما ويصبح الأمر واقعاً أمام أنظار أبيها، لكن رفض العالِم تزويجهما، من دون عِلم أبيها، فقالت له: أيها السيد الجليل إذا لم تعقد لنا، ونتزوج برضا الله، فسنتزوج بما لا يرضاه الله، وتكون أنت السبب في ذلك!
وتركت المسجد وعادت إلى دارها والدمع لا ينقطع. وبعد مرور أيام، من بعد ما علِمَ وجهاء المدينة، بقصتها وشاع الخبر بين الحي، وافق والدها، خشية أن يُدنس شرفهم ويُشاع خبرٌ لا يليق بمكانته الأجتماعية، ففرحت بذلك اليوم فرحاً شديداً، وأغمى على «أمجد» من شدةِ الفرح، وعُقد قرانها بروحٍ وريحان وأصبحت حياتهما كأنها جنةِ نعيم. ثم بعد مرورِ عام وهم في أوج السعادة و الإبتهاج، توسطهما صغيرهما الذي كان ثمرةٌ رائعة، يحتضنها الحبيبان من بعد طولِ عناء.. فمن أصر على بلوغِ الثمر نال وثمار العشق تُحصد في موسم الإصرار وكل روح جبارة تتوق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى