مَنْ يحمي المقدسات في مكة ؟

رفعت سيد أحمد
ثمة اقتراح ونحن نميل إليه، وهو أن تكون للحجاز سلطة سياسية مستقلة بعيدة عن هيمنة الأسرة السعودية ودعوتها الوهابية المتشددة، وتكون هذه السلطة إدارية فقط تشرف وتدير الأماكن المقدسة وتخدم الحجيج جميعاً، ولا تمنع مسلماً من دخول الأراضي المقدسة وتطلق الحرية للمسلمين في الالتقاء والحوار والمناقشات العلمية. هل يحق لأسرة أو حتى لدولة واحدة أن تدير هي شؤون العبادة وأركان الدين دون مشاركة حقيقية من عموم المسلمين ؟.
انتهى موسم الحج، وانتهت مؤقتاً معاناة ملايين الحجيج بسبب سوء الإدارة وسوء المعاملة وغلظتها والتي دأب عليها حكام السعودية طيلة سنوات حكمهم الذي يقترب من الـ 83 عاماً؛ صادروا فيها حق الأمة الاسلامية في الإشراف على الأماكن المقدسة التي هي ملك الأمة ولم يورثها الله لأسرة ابن سعود الذي استولى عليها في ثلاثينيات القرن الماضي بالدم والسيف وقتل الناس من أتباع الشريف حسين وغيرهم كما تفعل بالضبط داعش والقاعدة اليوم، التي هي الوارث الحقيقي لوهابية ابن سعود وأسرته. أنتهى موسم الحج وبدأ موسم العمرة وعاد السؤال القديم يطل برأسه مجدداً (في الحقيقة الوهابية دعوة وليست مذهباً وهي أيضاً دعوة شاذة وخارجة عن صحيح الدين كما ذهب غالب العلماء الثقاة ومنهم علماء مؤتمر غروزني لأهل السنة والجماعة في (25/8/2016م) هل يجوز لهكذا دعوة ودولة أن تحتكر الإشراف على المقدسات الإسلامية في مكة والمدينة واستخدامها كسلاح في وجه المخالفين لسياسات آل سعود وأيضاً كأداة لجلب الأموال دون خدمات وتسهيلات حقيقية لملايين المسلمين ؟. أسئلة تدفعنا وبقوة إلى ضرورة طرح قضية؛ حتمية التدويل والإشراف الإسلامي على مقدسات مكة والمدينة المنورة بعيداً عن السيطرة غير الشرعية لآل سعود وعليها، والطريف هنا وقبل أن ندخل إلى الأفكار التي نطرحها للتدويل، هو أن نشير الى أن عبد العزيز بن سعود مؤسس المملكة كان أول من دعا إلى الإشراف الدولي الإسلامي على الأماكن المقدسة من خلال دعوته للمؤتمر العالمي لحماية المقدسات الحجازية عامي 1925-1926 وحضره من مصر شيخ الأزهر وقتها الشيخ المراغي، وكان دافع أبن سعود وقتها هو ضمان وقوف الدول الإسلامية الكبرى إلى جواره في صراعه الشهير مع الشريف حسين الذي كان وقتها لا يسيطر على الأماكن الإسلامية في الحجاز (مكة والمدينة تحديداً) يعني الدعوة في أصلها مارسها ودعا إليها عبد العزيز بن سعود نفسه، فلماذا يستنكرها الأحفاد وشيوخهم وإعلامهم المدجن ؟ إنها المصالح والاستخدام غير الشرعي لسلاح خطير هو سلاح المقدسات في حروب وفتن المنطقة كما يجري الآن مع إيران وسوريا واليمن. وبعودة إلى قضية هذه الدراسة؛ ضرورة التدويل الإسلامي للمقدسات؛ إشرافاً وحماية، نؤكد أن التاريخ العربي والإسلامي المعاصر عاصر أربعة مقترحات للتدويل الإسلامي للأماكن المقدسة خاصة في مكة والمدينة المنورة من المهم ذكرها حتى يمكننا الانطلاق منها إلى تعميم الفكرة والأخذ بها وحتى ننهي التوظيف السياسي من قبل الأنظمة المستبدة (مثل النظام السعودي) وتنحصر المقترحات في الآتي:-
أ – أن تقوم كل دولة إسلامية بالإشراف على الحج كل عام بالتناوب فيما بينهم، وهو اقتراح صعب التحقيق، لأن الإشراف معناه أن تكون للدولة سيطرة على الشرطة والجيش والأمن، وهذه كلها لا تتحقق إلا للسعودية لأنها جغرافياً وتاريخياً تسيطر عليها وشرطتها وجيشها هو الذي يوجد في مكة والمدينة، و وجود سلطة غير سعودية تكون أوامرها ملزمة لن تتحقق كما يريد أن يقنعنا من يقول بعملية تناوب الإشراف. هذا إلى جانب أن المشكلة التي من أجلها حدث التناوب ستظل قائمة، فكل دولة ستحاول أن تروّج لمفهومها الديني والسياسي أثناء موسم الحج، لتنتقم الدولة الثانية من الأولى إذا حدث ما يستوجب هذا الانتقام مثل النيل من المذهب أو الترويج للنظام، وهنا نرى هذا الاقتراح غير عملي وغير منطقي.
ب – اقتراح ثانٍ أن يستقل الحجاز سياسياً، أي يكون دولة مستقلة له حكومة مستقلة، ولا بأس أن تنضم هذه الحكومة للجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وهيأة الأمم المتحدة، وهذا الاقتراح سيجد صعوبات حقيقية، منها على سبيل المثال كيف يستقل الحجاز، وهل يكون أهل الحجاز أنفسهم هم قادة الدولة أو مشكلي نظامها.
ج – هناك اقتراح ثالث يتلخص في أن تكون للحجاز سلطة سياسية روحية بعيدة كل البعد عن الأنظمة الإسلامية، أي يتم اختيار العلماء لهذه الدولة لتكون محل إقامة وسكن دائم، على أن يكون هؤلاء العلماء ممن تنطبق عليهم شروط الاجتهاد، وهؤلاء العلماء ينتخبون من أنفسهم من يحكم الحجاز على أساس أنه مهبط الإسلام وأصله. وهذا الاقتراح أيضاً صعب التحقيق لأنه قد يؤدي إلى ما يشبه سلطة الفاتيكان بما فيه من كهانه وسدنه وكهنوت، وهي ليست من أصول الإسلام ودعوته.
د – وثمة اقتراح أخير ونحن نميل إليه، يجمع أهم ما في المقترحات الثلاثة، وهو أن تكون للحجاز سلطة سياسية مستقلة بعيدة عن هيمنة الأسرة السعودية ودعوتها الوهابية المتشددة، وتكون هذه السلطة إدارية فقط تشرف وتدير الأماكن المقدسة وتخدم الحجيج جميعاً، ولا تمنع مسلماً من دخول الأراضي المقدسة وتطلق الحرية للمسلمين في الالتقاء والحوار والمناقشات العلمية؛ وهنا لا بد أن تكون أهم مؤسستين في العالم الإسلامي طرفاً في صياغة ومأسسة هذا الاقتراح لتوحيد الأمة بشكل جدي وحقيقي، ونقصد بهما مؤسسة الأزهر في مصر ومؤسسة الحوزة الدينية في قم بإيران، حيث حولهما يتجمع بوعي ودون غلو أهل السنة وأهل الشيعة، وحولهما يصاغ التقريب المذهبي الصحيح والدائم والقادر على وأد الفتن السياسية والمذهبية المشتعلة اليوم في أرجاء الإسلامي. لكن السؤال الصعب: كيف سيتحقق ذلك وحكم آل سعود المدعوم أميركياً والمتحالف مع الكيان الصهيوني وظيفياً، قائم ومستمر ؟ نحسب أن دون هذا الحلم بالإشراف الإسلامي الطاهر والكامل على الأماكن الإسلامية في مكة والمدينة؛ جهاد طويل، لكنه جهاد حق يحبه الله ورسوله، والله أعلم.



