النسخة الرقميةثقافية

الشاعرة «كزال ابراهيم».. الرحيل المبكر

صباح محسن كاظم

صمت قلبها بشكل مفاجئ، يضاف لخسارات الوسط الثقافي والفكري والأدبي العراقي، بعد رحيل المفكر فالح عبد الجبار والفنان د. عبد المطلب السنيد والدكتور احمد مطلوب وعشرات المبدعين الذين رحلوا وتركوا اثرهم تحت الشمس. آخرها الشاعرة الكردية «كزال ابراهيم» التي قدمت اكثر من 02 ديوانا بمنجزها الشعري باللغة الكردية والعربية.إن للطبيعة تأثيراتها في منتجة النص، لتفاعلها مع المحيط، واستخدام الصور الشعرية المستقاة من المؤثر «البيئة» والتي تضمنتها الموسيقا الشعرية، ليشعر القارئ بعذوبة تلك الألفاظ التي تكتنز بها نصوص الشاعرة «كه زال إبراهيم» وفي ديوانها المترع بالجمال والدهشة والتجانس بين دفق الروح وبين التعبير بإحساس عالٍ عن غير المرئي بعمق الشعور الذاتي، فتسدعى المعطى الجمالي من تلكم البيئة المترعة بالعشب والوان الشجر المخضر بربيعه أو الفاقد لأوراقه بخريفه، لتشكل الرؤية الحالمة للشاعرة في الخصب والجذب من خلال لغة الإدراك الحلمي للذي لا يدرك، ولغة اكتشاف اللا مكتشف من تولد المخيلة الخصبة عبر الإيحاء المبتكر الخاص بذات الشاعرة من خلال المستوى (العلامي/ والدلالي) بالتعاطي مع لغتها الشعرية الخصبة بالمرموزات والتأويلات في ثنايا النصوص الباذخة بالجمال، وفي لغتها البلاغية المترعة والموشاة ببهاء الطبيعة، وخضرة الروح تجد في ديوانها الشعري أنواع المجاز المختلفة من استعارة وكناية ومجاز مرسل في البُنية الدلالية، وحبكة في النص الشعري، والكفاءة بالتعامل مع المفردة لتبهر المتلقي بشدو تزهو به الروح، وتتسامى باستكناه الأسرار الروحية الدفينة التي تحرك السلوك البشري، وبدلالة النص النثري المركز المعبر والمشبع بالصور.
يؤكد: د. صلاح فضل في (بلاغة الخطاب وعلم النص) ص 20 «فإذا عدنا إلى نظرية سوسيير في اللغة، عدّها منطلقا لبلاغة الخطاب الجديد، وجدناه يتصورها على أنها نسق من العلامات غير السببية، كل شيء فيه علاقة وتخالف.. ومعنى هذا أن معاني الكلمات تتوقف على مواقعها في الجمل وأختلافها عن غيرها..».
نصوص تحتفي بالمحبة، وتدين الأسى، والحرب، وتكره الدم، المفردة التي تتكرر بالنصوص توحي للحرب والعنف والدمار الذي تحتج عليه الشاعرة وتدين مرتكبيه:
الدم يكتب تاريخنا
يحول الحب الى يأس
يحول الشجرة الى وردة حمراء
يزين جراحي
تتغير ملامح الارض
لا تداعب الشمس
الدم يصبح دفلة مرّة
اُفق الأشعار تتحول الى عشب أصفر
واليأس يصبح انين ناي
في صرخة الإحتجاج تعبير عن الرفض الجمعي للحرب، وبقع الدم، ورماد الأشجار، وإزهاق الأرواح البريئة، والندوب الغائرة بالجراح التي يتركها كوشم معمر. نصوص تؤكد الذات لكنها تعكس همّاً جمعياً أنثوياً يُعبر عن إرادة الأنثى وآلامها وآمالها بأبعاد الجسد الأنا/ الآخر، فهي تجربة تمثل تفاصيل العلاقة بين(القلق = الأمان) في ثنائية البحث عن الحضن الدافئ الذي يحتوي طموحات الأنثى بالإعتزاز بكيانها وشخصيتها بالإيحاءات التي تنبعث من ثنايا ما تعبر عنه وتتماثل وتتماهى مع اللا وعي في الميل للآخر والشعور باللذة بالدنو منه وتحقيق اليوتوبيا لترتكن إلى بلوغ السعادة، والشعور بإحساس الوجود، وتحقيق الذات بالذوبان بما تتوق وتبغيه النفس بالوصال، ليس كمعطى الأدب الاريتوكي بل عن التعبير الوجداني النقي عما تختلجه الصدور ببوح يميل الى الشعور الرومانسي الرقيق، برغم إفتقاد بعض تلك النصوص إلى الرمز والأسطورة في الميثولوجيا لتحيل اليها التناص، أو التماهي معه، فقد ركنت «كزال» إلى إنبعاث الطمأنينة في البوح المشتهى الذي يتوارى خلال المجازات اللغوية، والعلاقات الجدلية بين الشكل والمضمون، وفي ماهيات الكلمات من حيث المبنى، والمعنى، والصورة، والإيقاع.
وفي كشوفات لنصوص المفارقة اللغوية التي وردت بالنصوص الأخرى، شراهة الـ»أنا» مع القلق المشوب بالريبة «الآخر» يتراءى لي القدرة على التعبير اللغوي المدهش بلعبة المفارقة لتعطي دفقاً حيوياً في نسغ النص وسياق البناء الشعري المتوتر بغية تحقيق ثنائية (الحسي ـ الذهني) كما في نصوص: صدى الكلمات، عشرة براعم من قصيدة قبلة حب، توسلات قبلة، قبل أن تحبني، بقلم إمرأة، وغيرها.
«بغيمة حمراء أرسم حرية الحياة بأعماق قلوبكم الشبقة كدغدغة مطر أملأ وطني بالألوان تحت ظلال قدك ألوان شفاهك بزهر الرمان».
ومن خلال تأويل المتلقي بالتأمل وبالفحص وبفك إشتباك اللغة الشعرية الواردة في تلك النصوص الاخذة بسحر الدهشة وثيمتها وجمالية المفارقة التهكمية المشوقة التي تنحو بإتجاه الضربة الشعرية المتقدة بحرارة الشعور والثراء بالإنبهار المعبر عن مكنون المقاصد التي تضمرها الشاعرة وراء المفارقة «بيت قلبك كم هو صغير يشبه روح الطائر بقلبي كم هو قاس وغائر، لا أسمع صوت تصفيق أجنحة الطير، لا حراك لا نسيم».
إن تجربة الشاعرة الراحلة «كزال إبراهيم» من التجارب الشعرية النسوية الخصبة في الشعر العراقي وبخصوصيته الكردية التي تميزت بفضاء جمالي، وأفق يمتد نحو الشمس.. لذلك نال منجزها الشعري عشرات الدراسات النقدية من أدباء عراقيين وعرب اشادوا بمنجزها الجميل، رحمها الله..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى