اراءالنسخة الرقمية

تركيا من الحرب الباردة إلى الحرب الساخنة

عبير بسام
يبدو أن معركة ادلب باتت على الأبواب، والشباب تنتظر اليوم في جورين بانتظار ساعة الصفر. ولكن ماذا عن القوات التركية وما الذي يمكن أن يتوقع من تركيا، خصوصاً وأن تركيا لم تصرح بعد عن استعدادها للتخلي عن دورها في الحرب على سوريا إلى جانب حلفائها الغربيين، وذلك على الرغم مما تشهده العلاقات التركية ـ الأميركية من تدهور. قامت تركيا بالانفتاح على سوريا في حزيران من العام 2000، أي بعد تحرير الجنوب بشهر واحد. فهل كانت تركيا تلعب أحد أدوارها كعضو في حلف الأطلسي عندما اتخذت هذه الخطوة، والتي لم تتوقع نتائجها بأن تكون إحدى الدول التي رعت المنظمات الإرهابية في سوريا. ولكن نظرة إلى الخلف وإلى الواقع الحالي يمكنها أن تجعلنا نفهم الدور التركي في المنطقة منذ الحرب الباردة وحتى اليوم. انضمت كل من تركيا واليونان إلى الحلف الأطلسي في العام 1952، لما لهما من موقع مهم على أطراف دول حلف وارسو والإتحاد السوفياتي، لتكونا دولتي مواجهة كجزء من حلف الناتو في مواجهة وارسو، وخصوصاً بسبب أهميتها بعد أن نصبت فيها الصواريخ المواجهة للصواريخ الباليستية الروسية. وازدادت الحاجة إلى الوجود التركي في الحلف بعد قيام الثورة الإسلامية في ايران، في العام 1979، وبعد خروجها كداعم أساس لأمريكا والغرب على حدود الإتحاد السوفياتي وفي وجه المد الشيوعي الذي وصل إلى حدود إيران وتركيا. عند سقوط الاتحاد السوفياتي، كان يأمل التركي في أن يتعاظم دوره من أجل السيطرة على دول البلقان والقوقاز والشرق الأوسط،، بحسب تصريحات داوود أوغلو، وأن تصبح تركيا دولة لا يمكن الاستغناء عنها بالنسبة لحلف شمال الأطلسي. ولكن ما يحدث اليوم مع الأميركيين يفصح عن عكس ذلك وذلك لسببين، أولهما أن تركيا لم تعد الدولة الوحيدة التي تقع على الحدود الروسية والتي يمكن للأميركي أن يستفيد من موقعها القريب من أجل تهديد الروس، كما كانت تؤدي هذا الدور من قبل. فاليوم انضمت دول المعسكر الشرقي السابق لتصبح جميعها ضمن منظومة الحلف الأطلسي والتي هي على قرب أو تماس مع روسيا. واليوم تتصاعد الأصوات في الصحافة الغربية والأميركية بالذات، من أجل طرد تركيا من الحلف الأطلسي، والتي تعكس صورة تزود بها القيادات الغربية الصحافة إما من أجل التبليغ، أو من أجل التهديد. والسبب الثاني أن تركيا لم تقرأ بعد سقوط الإتحاد السوفياتي أو لعلها قرأت ولكنها ماطلت، وأن الحاجة إليها ضمن حلف الأطلسي لم تعد له الأهمية الجغرافية ذاتها، التي كانت تتمتع بها قبل سقوط الإتحاد السوفيتي والمنظومة الشيوعية في شرق أوروبا. ولعل وجود معامل السلاح الأميركي فيها جعل القيادات السياسية المتعاقبة تقتنع أن لا غنى لأميركا وأوروبا عن العلاقة الإستراتيجية معها، ولعلها اعتقدت أن الغرب سينظر إليها على أنها جزء من المنظومة التي تمثلها أوروبا والولايات المتحدة. بعد سقوط الإتحاد السوفياتي بأربع سنوات تأسس الإتحاد الأوروبي، في 1 تشرين الثاني من العام 1993، وبعد أن اتخذت دول المعسكر الشرقي شكلها النهائي، بعد عدة سنوات من الحروب والصراعات التي دامت فيها لأكثر من أربع سنوات والتي حصدت فيها الكثير من الضحايا، والتي ترافقت مع التدخل الأممي من أجل وقف القتال والتناحر في دول أوروبا الشرقية تحت البند السابع والذي تشكل بموجبه قوات الأمم المتحدة والتي استطاعت التدخل عسكرياً من أجل وقف النزاعات والحروب. ابتدأت الدول المتفككة عن المنظومة الشرقية بالانضمام بالتتالي إلى الإتحاد الأوروبي. مع أن انضمام هذه الدول شكل عبئاً اقتصادياً، اذ أنها خرجت من الحروب والصراعات باقتصاد مفكك ومنهار ووقع على عاتق الدول الكبرى في أوروبا مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والدول الإسكندنافية ترميم هذه الاقتصاديات المنهارة. وبالتالي كان استقطاب هذه الدول لبنة أساسية في بناء جدار في وجه روسيا التي ابتدأت قوتها بالتصاعد. غير أن الحلم التركي بالانضمام إلى الإتحاد الأوروبي كان يدغدغ أحلام أردوغان كمن قبله وفي الحقيقة هو حلم صعب المنال، إن لم يكن مستحيلاً ولسببين الأول، هو أنه لن يقبل الأوروبيون بوجود دولة مسلمة داخل منظومتها. وهذا ما كانت تركيا تأمل أن يحدث منذ العام 1993. والثاني أن هناك أكثر من 500 عام من العداوة ما بين الدولة العثمانية، وأوروبا المستعمرة. واليوم، تأمل تركيا بالوصول إلى العام 2023 إلى انتهاء العمل باتفاقية لوزان مما يحق لها عند ذلك بالمطالبة بأية أراض تحتلها، وهذا ما كانت تخطط له باحتلال ادلب وعفرين اللتين تقعان على حدود لواء اسكندرون، وهو ما كانت تأمله بالامتداد نحو حلب. لتعود فتطالب بمساحة أكبر بعد أن تتحرر من معاهدة لوزان التي قسمت بموجبها الدولة العثمانية. أضف إلى تلك، عندما تأسست الجمهورية التركية الحديثة بناء على معاهدة لوزان، والتي وقعت مع الحلفاء المنتصرين وهم: بريطانيا، وإيرلندا، وفرنسا، وروسيا، وايطاليا. نفي الخليفة العثماني إلى الخارج بعد أن صادرت بريطانيا أمواله، وتم إعلان علمانية الدولة، ومنعت تركيا من التنقيب عن البترول، واعتبر مضيق الفوسفور ممراً دولياً لا يحق لتركيا تحصيل رسوم من السفن المارة فيه. بحلول 2023 يكون قد مر على المعاهدة 100 عام، وبحسب تصريحات أردوغان، اذ ستدخل تركيا عهدا جديدا، وستشرع في التنقيب عن النفط، وحفر قناة جديدة تربط بين البحرين الأسود ومرمرة تمهيدا للبدء في تحصيل الرسوم من السفن المارة. كما أن اليونان تشعر بالتهديد من تلميحات أردوغان حول انتهاء صلاحيات معاهدة لوزان، والتي يمكن أن تعيد الخلافات حول بعض الجزر اليونانية. ومن هنا يمكننا أن نفهم أكثر نقاط الخلاف ما بين تركيا وأوروبا. وبالتأكيد فإن تركيا كانت وماتزال لها أطماع تريد أن تحققها من خلال تقسيم سوريا، ولكن جميع النتائج تنتظر معركة ادلب الأخيرة في الحرب الساخنة على سورية، والتي باتت على قاب قوسين أو أدنى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى