السياسة الخارجية الباكستانية في زمن «عمران خان»… متطلبات الداخل وتحديات الخارج

إستطاع المرشّح الانتخابي «عمران خان» زعيم «حركة إنصاف» الفوز في الانتخابات الباكستانية الأخيرة التي جرت في الـ 25 تموز 2018، وتعدّ هذه الانتخابات هي الانتخابات السلمية الثانية التي جرت في باكستان خلال المدة السابقة من دون تدخل مباشر من الجيش ونظراً لعدم تمكّن هذا الحزب من الفوز بالأغلبية المطلقة، فلقد اضطر للتعاون مع الأحزاب القوية الأخرى لتشكيل حكومته وهنا فإن السؤال الذي يتبادر إلى أذهان الكثير من المحللين السياسيين، هو كيف يكون تأثير هذه الحكومة الجديدة بقيادة «عمران خان» في السياسة والعلاقات الخارجية لباكستان؟.من أجل فهم سلوكيات ومواقف دولة ما على الساحة الدولية، يحتاج المرء إلى النظر والتركيز في حاجات ذلك البلد وهنا نستعرض بعض أهم مكونات السياسة الخارجية الباكستانية والتي هي:تواجه باكستان دائماً مشكلة أمنية منذ نشأتها وقد أدى بقاء قضية «كشمير» كخلاف لم يحسم بين باكستان والهند إلى الشعور بعدم الإحساس بالأمان من ناحية المناطق الشرقية للبلاد.وتُعدّ باكستان بلداً اقتصادياً ضعيفاً نسبياً، فهي لا تمتلك قدرات داخلية كافية لتشكيل تنمية مستدامة ولذلك، فإنها بحاجة ماسة للاستثمارات والخبرات الأجنبية لتيسير وتسهيل مسار التنمية الاقتصادية.
وفقاً للمادة 40 من الدستور الباكستاني، فإن الحكومة مطالبة بتعزيز علاقاتها الأخوية مع الدول الإسلامية لتعزيز الوحدة والأخوة بين جميع تلك الدول الإسلامية.
في هذا المجال، يجب ألّا يغيب عن بالنا أنه على الرغم من أن مكافحة الإرهاب هي جزء أساس من السياسة الخارجية الباكستانية، إلا أن تعريف الإرهاب قد يختلف من بلد إلى آخر، فعلى سبيل المثال، بينما تعدّ أمريكا طالبان جماعة إرهابية، إلا أن باكستان لا تعدّ هذه الجماعة إرهابية.
الجهات الفاعلة المهمة والمؤثرة في السياسة الخارجية لباكستان,إن أهم العناصر المؤثرة في السياسة الداخلية والخارجية الباكستانية هي:الحكومة ورئيس الوزراء، الجيش، أﺟﻬﺰة اﻻﺳﺘﺨﺒﺎرات.
الأحزاب السياسية ومجموعات الضغط: بما في ذلك المؤسسات التجارية الكبيرة ومجلس العلماء الباكستانيين والجماعات الإسلامية وملاك الأراضي الباكستانيون والرأسماليون.تأثير الجيش على السياسة الخارجية لباكستان إن الأمن هو المعضلة الرئيسة التي تحتل أعلى مرتبة في التسلسل الهرمي لأهداف ومصالح باكستان الوطنية وهذا الشيء نفسه هو الذي جعل الجيش أكبر قوة مؤثرة في مجال السياسة الداخلية والخارجية لباكستان على مدى السنوات الماضية والانتخابات الأخيرة تُعدّ واحدة من الانتخابات القليلة التي جرت دون تدخل عسكري وتكاد تكون سلمية، ومنذ الإطاحة بـ»برويز مشرف» في عام 2008 وصعود «آصف علي زرداري»، تمَّ تهميش الجيش جزئياً في المشهد السياسي للبلاد ولقد استمرت الحكومات المتعاقبة على هذا النهج حتى يومنا هذا ولهذا فلقد رفض الكثير من القادة العسكريين، التدخل في عدد من القضايا السياسية والصراعات الحزبية ومع ذلك كله، فإنه يبدو أن «عمران خان» كان تحت تأثير الجيش أكثر من غيره من قادة الأحزاب الرئيسة الأخرى في هذه المدة من الانتخابات الباكستانية ولقد أكدت عدة تقارير أن الجيش قدّم الكثير من الدعم لـ»عمران خان» قبل وأثناء الانتخابات.
حكومة الائتلاف والسياسة الخارجية وفقاً للقانون الانتخابي، لا يمكن لأي حزب سياسي أن يشكّل الحكومة بمفرده، إلا إذا استطاع الفوز بـ 137 مقعداً في البرلمان وبما أن عدد المقاعد التي فازت بها «حركة إنصاف» كان 116 مقعداً، فإنها بذلك تحتاج إلى 21 عضواً آخر لتشكيل الحكومة الباكستانية وهنا يؤكد العديد من التقارير الإخبارية أن رئيس الوزراء «عمران خان» قد قام بأول وأهم خطوة في تشكيل حكومته، ويتمثل ذلك في تعاونه مع الأحزاب القوية الأخرى وفي الوقت الحالي، يتم انتخاب وزراء للحكومة الباكستانية الجديدة من بين أعضاء البرلمان.وفقاً لما ذكرناه أعلاه، فإنه على الرغم من أن رئيس الوزراء والحكومة الباكستانية يشكلان عناصر مهمة في تحديد السياسة الخارجية في باكستان، إلا أن كل دولة لديها ظروف ثابتة لا تستطيع الحكومات المتعاقبة التأثير فيها وباكستان، مثل العديد من البلدان الأخرى، فتّغير الحكومة فيها ليس له تأثير كبير في سياستها الخارجية وعلاقاتها مع البلدان الاخرى. لذلك، من المتوقع أن تحافظ السعودية على زيادة نفوذها في باكستان وأن يستمر التوتر بين باكستان وأمريكا والهند وأفغانستان وفيما يتعلق بالصين وإيران فلقد أكد «عمران خان» أن هذين البلدين هما جيراننا وعلينا أن نعزز علاقاتنا معهما، وفيما يخصُّ الهند، قال «عمران خان» إنه يجب حل قضية كشمير من خلال المفاوضات بين البلدين، إذ إن مواقف «عمران خان» في السياسة الخارجية تتماشى و المصالح الوطنية الباكستانية وتحافظ على الاستقلال في سياستها الخارجية وفيما يتعلق بالشؤون الداخلية شدّد «عمران خان» على ضرورة التعاون مع جميع الأطراف رافضاً فكرة الانتقام من الأحزاب الأخرى، وهنا يمكن أن يخلق نهج «عمران خان» الحاسم تجاه أمريكا ومواقف «ترامب» المعادية لباكستان، فرصة لتعزيز الشراكة الإيرانية الباكستانية، وخاصة فيما يخص الساحة الأفغانية ولا ينبغي أن ننسى أن السبب الرئيس للتوتر الحالي بين باكستان وأمريكا هو أفغانستان وهنا يجب أن يكون لدى إيران خطة طويلة الأمد لمواجهة جهود السعودية لزيادة نفوذها في المدارس الدينية الباكستانية وتعزيز التطرف في ذلك البلد.



