النسخة الرقميةثقافية

جدل المكونات الشعرية في «خمس مجاميع شعرية» للشاعر شاكر التميمي

محمود الهاشمي

مع احتدام المعارك على الجبهات, وتواتر مواكب الموت, وتراجع البهجة في المدن البعيدة أو تحت ظلال النخيل, ومع اشتداد الفقر وصرامة الحصار, تكون التجربة الشعرية للعديد من الشعراء العراقيين في ثمانينات القرن الماضي, قد اكتسبت تجربة الواقع, واستحضرت جميع التجارب السابقة من كلاسيكية ورومانسية ورمزية وواقعية, وحاولت ان تخلط الوانها لتنتج لوحة تشبه كثيرا الوان الحياة التي تعيشها الناس, وان تنمو وتكبر حيث بهاء الامس ولوعة الحاضر وضبابية المستقبل, وان تجربة الشاعر الدكتور شاكر التميمي احدى هذه الفضاءات المبدعة التي عبرت عن مراحل نموها في خمسة دواوين شعر. ليس غريبا أن تكون تجارب الشعراء الاولى متأثرة بالاعمال الرومانسية, فالنشأة الاولى للانسان تبدأ ايضا بسلسلة من الاسئلة عن الكون من طبيعة وانسان وسماء وحر وبرد ومطر وعن سر الوجود الخ, هذه الاسئلة تتحول الى انشاد شعري أو مجاميع قصصية أو أي من الاعمال الادبية الاخرى, لذا فإن تجربة الشاعر شاكر التميمي خطت ذات الطريق, فمع تلمّس تجربته الاولى أنشد:
منذ أن نادى المنادي
سر هذا الكون في طي الصدور
طينة كانت فصارت «آدما»
ولم تفارقه هذه الاسئلة التي طالما شغلت شعراء المهجر, الذين تأثروا بعوالم الطبيعة الخلابة وفلسفة الحياة «المثالية» حيث يقول ايليا ابو ماضي:
نسي الطين ساعة انه طين حقير فصال تيها وعربد
وفي قصيدة «لست ادري» التي أراد أن يحاكي فيها قصيدة ايليا أبي ماضي «الطلاسم» والتي تنتهي بالسؤال «لست ادري» ايضا, يقول الشاعر شاكر التميمي:
لست ادري
هل لأشجان التجني
أرجل تجتاح صدري؟
هل يجف البحر يوما؟
هل تنام الاعين الحيرى بلا وزر وستر؟
امتلأ ديوان شاكر التميمي (نسيج الزمن) بهذا النوع من الشعر, حيث خصوبة الخيال, ورهافة المشاعر, وجمال الصورة, معتمدا على ادراكه البديهي ليشكل وحدة كاملة الاتساق حتى آخر قصيدة, ولاشك أن ديوان (نسيج الزمن) يمثل باكورة قصائد الشاعر التي كتبها في ثمانينات القرن الماضي.
تركت الحربان القاسيتان والحصار الظالم على العراق في ثمانينات وتسعينيات القرن الماضي آثارها في الشعراء, وهم يشهدون شعبهم يرزح تحت وطأة الموت وشظف العيش وقسوة الحياة, فجاءت قصائدهم تحمل وجع الامهات وبكاء اليتامى والارامل, ومحمل بروح الاباء من الشعراء الاوائل من أمرئ القيس ورهطه من شعراء الجاهلية, حيث يقول الشاعر في قصيدة «قبل فوات الاوان»:
يا أيها الزمن الرجيم ألا أنجلي
ما عاد فجرك باسما يترنم
هذي الصغار بدمعها قد أغرقت
كل الموائد, حلمها يتحطم
في مجموعته الشعرية (خلجات عند احتضار الافق) والذي صدر في عام ٢٠١٦ م يكون د. شاكر التميمي قد طوّر شيئا من ادواته الشعرية, وتخلص من أكمام الرومانسية سواء على مستوى الموضوع أم المشاعر, ففي قصيدة «أحفاد هند» يحاول الشاعر أن يستفيد من الحوادث التأريخية والاسماء «السلبية» مثل يزيد بن معاوية و ارتكابه مجزرة الطف ومثل هند آكلة الكبود ويعكسها على الواقع المرتهن، وما أرتكبته العناصر الارهابية من مجازر وقتل وتهجير بحق العراقيين, باسم الدين:
ألم يعصر قلبي
حين عيناي تراهم يذبحون
ثم بعد الذبح دوما يصرخون
كبروا «الله أكبر»
وفي آخر القصيدة يقول:
انها هند التي قد ارضعتكم
قصة الذبح واكلاً للقوب
دينكم دين يزيد
ابن من قاد جموع الفاسدين
ومثل الاستاذ الشاعر شاكر التميمي مثل أغلب الشعراء الذين انتقدوا الواقع السياسي الذي تبع عام 2003 م وكيف ان طبقة السياسيين لم تحسن التعامل مع الواقع السياسي الجديد, فيصاب بخيبة كبيرة ويقول:
آه يا وطني الاسير
ما لحكامك دوما دونما أي ضمير
سرقوا الفرحة من عين الفقير؟
أدرك الاستاذ شاكر التميمي أن المناجاة واحيانا التجريد المطلق في الرسائل التي يبرقها لقرائه, انه بحاجة أن يكون أكثر وضوحا, فمرة يستخدم القافية ومرة أقرب ما تكون الى السجع, وتارة التكرار وذلك كي تساعده نبرة الحديث العادي في ايصال صوته الى أذن الاخر:
عش حليما
دون ان تحلم في عيش ودار
فالديار
زرعوها عبوات
علّها تثمر يوما بانفجار
تمتاز قصائد شاكر التميمي بالصراحة والصدق والدقة وهذا ما اضاف له طاقة تتفجر بشكل متسلسل وتحدث صخبا في عالم يضج بالاخطاء والهزيمة والانكسار, مستخدما الاستعارات احيانا والمبالغة في أحايين اخرى وظانا انها الوسيلة الاسرع في تحقيق اهدافه:
ما عاد صوتك ينفع
والصبر رمية فارس
قد لا يصيب فريسة
كل المراعي ارضها
هيهات منها تشبع
بشكل عام أن القصيدة لدى الاستاذ شاكر التميمي بمثابة ردة فعل سريعة على كل الاحداث التي تمر به, معتمدا في ذلك على الزاوية التي يرى فيها العالم فيخطف منها المشهد ويرسمه بريشته الخاصة وبألوانه التي لا تشبه كثيرا الوان زملائه الاخرين من الشعراء, ولا شك أنه استطاع بهذا أن يسيطر على اداته الفنية وسرعة تفاعلها مع المعاناة التي غالبا ما تكون هي معاناة فقراء بلاده:
يبحثون
عن بقايا شهداء
يسألون
هل رأيتم طفلة في كفها
لعبة العيد وافراح المساء
سيرة ذاتية
الشاعر شاكر التميمي، مواليد بابل ١٩5٧، دكتوراه في الادب العربي. صدرت له خمسة دواوين شعرية: نسيج الزمن، خلجات عند احتضار الموت، وحدها من ترى، ما عاد صوتك ينفع، عندما يجرح الورد. صدرت له عدة كتب منها: دراسات في الادب العربي، والبنى الثابتة والمتغيرة لشعر الغزل في صدر الاسلام والعصر الاموي، ومؤلفات أخرى.
درّس الادب الــــــعربي في جامعة القادسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى