اراءالنسخة الرقمية

موقعهم وموقعنا

مرتضى معاش
تشكل وسائل المعلوماتية وتطورها نقطة انطلاق مهمة في نمو الثقافات وتموجها الواسع حتى أصبح التداخل الثقافي والحضاري سمة مهمة في العصر الحالي، هذا التداخل يمكن ان يؤدي بالنتيجة إلى عملية ذوبان بالنسبة للطرف الأضعف أو تسلط واستغلال بالنسبة إلى الطرف الأقوى أو صراع عندما تحدث مواجهة وتصادم في بعض المواقع عندما يشعر الطرف الأضعف بفقدانه لخصائص ثقافته أو قوميته أو دينه. ذلك أن التثاقف يجري بين الثقافات على قاعدة الندية وهو ما يمتنع دون اعتبار أية ثقافة لشخصيتها وحرمتها الرمزية فيما لا يعبر فعل الاختراق والتجاوب معه سوى عن دونية يأباها أي انفتاح أو حوار وقد اصبح من يمتلك هذه الوسائل له القدرة على تسويق ثقافته وقيمه وفرضها على الآخرين عبر غسل الأدمغة الأثيري وبالتالي إمرار أهدافه وبيع بضائعه، وكلما قويت مواقع الحرب المعلوماتية قويت سلطات السيطرة من خلال حرب لا يستخدم فيها السلاح ولا يجري فيها الدم ولا يمكن رؤيتها لأنها تحدث في عالم الأثير الفضائي وهي بحد ذاتها يعدها البعض من أسوأ الحروب بوصفها تمس عقول البشر وتنتهك افكارهم وخصوصياتهم. ومن هنا يرى ان العولمة في مفهومها ليست سوى السيطرة الثقافية الغربية على سائر الثقافات بواسطة استثمار مكتسبات العلوم والتقانة في ميدان الاتصال، وهي التتويج التاريخي لتجربة مديدة من السيطرة بدأت من انطلاق عمليات الغزو الاستعماري منذ قرون وحققت نجاحات كبيرة في إلحاق التصفية والمسخ بثقافات جنوبية عديدة وبخاصة في أفريقيا وأمريكا الشمالية والوسطى والجنوبية ولا يمكن الاكتفاء بإلقاء اللوم على الآخرين ورفع مسؤولياتنا في هذا الصراع اذ ان التاريخ البشري كان منذ بدئه صراعاً حاداً يسيطر فيه من يمتلك القوة والإمكانات لانتصاره على الآخرين، فالشعوب الضعيفة مهما كانت مبادئها سامية لا تكون قادرة على الدفاع عن نفسها وتحصين ذاتها ما لم تملك الامكانات الذاتية لقيمومتها وقوتها وهذه هي سنة التاريخ وقانون البقاء، ويمكن ان تكون قوة الحضارات وانتصارها نابعة بالدرجة الأولى من قدرتها الشمولية على تحقيق عناصر القوة والتفوق، واليوم فان من يحتل برج المعلوماتية هو من يسيطر على وسائلها ويصنع من خلالها الافكار ويبرمج البشر في ضوء اهدافه ومخططاته. فقد انتهت وسائل العصور الغابرة وحلت التكنولوجيا الخارقة التي ابهرت البشر بتقنيتها وخدعها البصرية الخلابة، فمهما تتعاظم القيم وتسمو المبادئ فإنها تبقى غير فعالة ما لم يمتلك اصحابها وسائل بثها ونشرها، ففي عصر الرقمية Digital وبينما ننتقل بسرعة كبيرة نحو الوسائط المتعددة العالمية والمتفاعلة والشركات المدمجة العملاقة تتنافس بشراسة من سيستغل بأسرع ما يمكن تقنيات الاتصالات المستقبلية والحال ان دعاة السلام مازالوا في عصر الموجات الصغيرة ومن خلال حساب الأرقام والإحداثيات يمكن ان نكتشف موقعنا الاضعف في هذه الحرب المعلوماتية وعدم وجود استعداد كاف لمواجهة هذه التحولات الجديدة نتيجة لعدم وجود الروح الواعية والبصيرة بهذه الحقائق والمدركة لخطورتها. فنحن لا نمثل في البين تحدياً واقعياً للصراع الثقافي العالمي ان لم نكن جسراً لعبور أفكار الاستهلاك والإباحية والانحلال لأننا بالضبط نستهلك أدواتهم ونسوق لثقافاتهم ونجتر أفكارهم ونقدم لأطفالنا وشبابنا إنتاجياتهم الثقافية لينمون وهم نسخ مقلدة من الصناعة الغربية، وفي ذلك تؤكد أرقام اليونسكو ان المحطات التلفزيونية في البلدان النامية تستورد أكثر من 50% مما تقدمه وان أكثر من 75% من هذه الـــمادة المستوردة من منشأ أمريكي وهذه المواد أما ان تكون هابطة أو منتجـــة خصيصا للبـــلدان النامية. وكذلك يمكن ان نرى مقياس الثقافة من خلال ما نمتلكه من صحف ومجلات، فحصة العرب من الصحف على سبيل المثال لا تتجاوز نسبة 4ر1% من صحف العالم مع ان عدد السكان العرب يشكلون 17% من عدد سكان الكرة الأرضية حيث يحصل كل 1000 عربي على أقل من 39 صحيفة بينما يحصل كل 1000 شخص في الدول المتقدمة على 330 صحيفة، أما حصة العرب من مواد الطباعة فتشكل 6ر0% ومن الأفلام 8ر1% ومن مقاعد السينما 4 مقاعد فقط لكل ألف، والمذياع 8ر2%، والتلفزة 7ر2%، بينما يبلغ مجموع الصحف العربية الصادرة 130 صحيفة من أصل 9220 في العالم.
وبالنظر إلى مواقعهم نكتشف حقيقة ضعفنا ومسؤوليتنا عن تلك الترديات والانسلاخات التي تحدث يوما بعد يوم في أسسنا الثقافية اذ يزداد التآكل في عقول الشباب لتمتلئ بالتفاهات التي تقودهم نحو الميوعة واللامبالاة في زمن اختفى فيه معنى المسؤولية.
ذلك ان الغرب بقدرة وسائله استطاع ان يغزو العقول ويسحق القيم ويؤسس في أعماق مناطقنا ثغرات يبني فيها اوكاره. والأرقام تؤكد يوما بعد يوم تطورهم في استخدام وسائل المعلوماتية التي أصبحت مصدرا استراتيجيا في تحقيق القوة وبناء موازين القوى، ففي عام 1991 بلغت صادرات بريطانيا من المواد الثقافية (كتب ومجلات وأفلام وبرامج تلفزيون) 25 مليار دولار الأمر الذي جعل تصدير الثقافة يحتل المصدر الثاني في الدخل القومي بعد السياحة، وبلغت صادرات الولايات المتحدة في العام نفسه من المواد الثقافية نحو 60 مليار دولار وهو رقم قريب جدا من صادرات السلاح ولا شك فان الولايات المتحدة تشكل القوة الأولى في تصدير الثقافة والمعرفة وبالتالي فهي تحتل موقع القمة في الهرم العالمي من حيث موارد المعرفة استراتيجيا، وبهذا فهي قادرة على توجيه الرأي العام العالمي نحو قيمها والتأثير على توجهاتها لتحقيق مصالحها الاقتصادية والسياسية والثقافية، اذ وجدت الولايات المتحدة نفسها بأنها القوة الاقتصادية الوحيدة التي تتوافر لديها صناعة ثقافية للشبان قادرة على التصدير الفوري فصارت تسيطر دون منازع على أسواق الاستهلاك الثقافي للشباب في العالم، وتأثيرها في ثقافة الشباب سيكون له أثر مستقبلي قوي اذ ان شبان اليوم هم نخبة المستقبل ووصول أمريكا إليهم في عمر الشباب يعطيهم أفضلية في التأثير فيهم عندما يصبحون راشدين ويافعين في مجتمعاتهم واقتصادياتهم. وكذلك فإننا نجد ان في الولايات المتحدة أكثر من 20 ألف جامعة ومعهد أصبحت في وضع قيادي دون منازع، فهيمنة الجامعات الأمريكية وانفتاحها أمام الطلاب الأجانب يعني أعدادا متزايدة من النخب في العالم تتخرج في الجامعات الامريكية حاملة معها أساليب ثقافة وطرائق تفكير وسلوكيات اقتبستها خلال سنوات الدراسة الجامعية وبما ان هؤلاء القادة يعودون الى بلدانهم وأكثرهم يصبحون قادة فان قدرتهم واسعة في التأثير على مجتمعاتهم.
لقد اصبحوا يحتلون مواقعنا بعد ان أصبحت خاوية ولم نتحمل مسؤولياتنا في الاستجابة للتحديات والتغيرات التي تحصل في العالم يوما بعد يوم ولا شك فان الموقع الذي يصبح راكدا لا يتطور مع تغير الظروف والزمان يصبح آسنا كالمستنقعات تملأه الأوبئة وتحتله القوارض والطفيليات. انهم يطورون مواقعهم ويتقدمون ونحن لا نفكر في ذلك ابدا فكيف يمكن ان نواجه هذه الثورة الجديدة ونحن نخسر تحدياتنا الداخلية ونتقهقر إلى الماضي راسمين لأجيالنا صورة قاتمة من التبعية والهامشية. فالدول النامية ستهبط إلى مجال التهميش والعزلة مما يعرضها لمخاطر الاستبعاد لأنها غالبا تفتقر إلى الامكانات الاقتصادية والاجتماعية التي تجعلها قادرة على الاستفادة من التكنولوجيات الجديدة، ولو حاولت الدول النامية اللحاق بالدول المتقدمة في هذا المجال فإنها ستلحق في الواقع بالماضي لان الدول المتقدمة ستكون قد غادرت مواقعها لآفاق تقدم جديدة ان الفرق بيننا وبينهم يمكن ان يحدد في ان مصادر التكنولوجيا التي هي من نتاجهم هي في الواقع مصادر موجهة نحو إنتاج وسائل التغيير المستمر، في حين انها في مجتمعاتنا مصادر لضمان استقرارها وأوضاعها القائمة، فالتغيير بالنسبة لهم يعني المستقبل المصحوب بمزيد من التمكين والقوة في حين ان المستقبل يحمل لنا الكثير من المخاوف لأننا ببساطة غير فاعلين في صنعه أو انه قد صنع لمصلحة الآخر نعم اذا لم نستجب لتحدياتنا ونغير واقعنا ونبقى على واقعنا المتخلف يمكن ان تنعم الدول المتقدمة علينا ببعض تكنولوجيتها من أجل تحقيق بعض مصالحها الاقتصادية والسياسية أو للحفاظ على التوازن العالمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى