إعلام المقاومة ونقاط على الحروف

إيهاب شوقي
يكثر الحديث عن الإعلام و وظيفته وتقييم مهنيته ورصد اغراضه، ودوما يتطرّق الحديث الى إعلام المقاومة. وتنقسم الآراء حول اعلام المقاومة، ما بين راضٍ ومدافع بعنف ورافض لأي انتقادات، وبين ناقم ومبالغ في النقد الذاتي لدرجة الجلد، وبين من يرى ان هناك دوما حاجة الى التطوير، خاصة مع تطور الإعلام و وسائله وتقنياته، وفي ظل شبه سيطرة لمعسكر العدوان وتوابعه على الساحة الاعلامية. ونظراً لأهمية الاعلام ودوره كسلاح من أسلحة المقاومة، نرى من الواجب تحسس موقع قدم المقاومة في هذا المجال، وهو ما يقودنا أولا لمناقشة عدة أمور عن طريق الاجابة عن التساؤلات الرئيسة التالية: اولا: هل هناك بالفعل سيطرة اعلامية للمعسكر الاستعماري وذيوله ؟ ثانيا: ما أسباب هذه السيطرة ان وجدت ؟ ثالثا: هل يوجد قصور في إعلام المقاومة، وما سبل إصلاحه ؟ وللإجابة عن هذه الاسئلة، ينبغي أولا لفت النظر الى أمور عدة، منها ما يتعلق بطبيعة الإعلام، ومنها ما يتعلق بطبيعة المعسكرات، عبر مقدمات نظرية واجبة: ما يتعلق بطبيعة الاعلام: الاعلام من أكثر المصطلحات التي اتخذت دلالات متنوعة، ومن أكثر المجالات التي انحرفت ممارساتها لتحقق نتائج مناقضة للتعريف، فهو من السعة بما يسمح بالانتهاكات وحرف المسار، ومن الأهمية بما يحول ممارساته لساحات حرب ونزال. خطورة الاعلام، ان تأثيراته تتخطى الحاضر لتؤثر وترسم ملامح المستقبل، كما انها تسهم في التوثيق وكتابة التاريخ، ومن هنا فإن للإعلام أبعادا زمنية مضافة للأبعاد المكانية التي يؤثر فيها بشكل مباشر. الاعلام مصطلح شارح لذاته، فهو بالتعريف يتعلق بإيصال الخبر والموقف، إلا ان انحرافاته وصلت به لعكس وظيفته، حيث أدت الى التضليل، والتعتيم وقلب الحقائق وتزييف الحاضر والتاريخ، بما جعل معظم وسائله تخرج من نطاق الاعلام الى نطاق الدعاية، والفارق هنا كبير. نعم تلتصق كلمة الدعاية بكلمة الاعلام لتشكل مصطلح «الدعاية الاعلامية» إلا انه يبقى شيئا مختلفا عن الاعلام و وظيفته الحقيقية السامية. كما ان الإعلام جهد وتكلفة وهو بالتالي يتطلب تمويلا، ومع تطور وسائله، أصبح التمويل فارقا في ايصال رسائله، وخاصة مع التغيرات التي اصابت الوعي الجمعي، والتي فرضت واقعا جديدا لاستقبال الرسائل الاعلامية. ما يتعلق بطبيعة المعسكرات: معسكر الاستعمار لا يتورع عن استخدام جميع الوسائل والأساليب التي تحقق اغراضه، مهما تنافت مع الحقائق والاخلاقيات، عملا بقاعدة ميكافيلية شهيرة وهي «الغاية تبرر الوسيلة»، فيما معسكر المقاومة ملزم بقواعد اخلاقية ملتزمة. ومعسكر الاستعمار اتخذ مبكرا من الاعلام سلاحاً رئيساً في حروبه، بل يكون هو السلاح المتقدم والبادئ للغزو والمواجهات، فيما اتخذ معسكر المقاومة من الإعلام سلاحاً من ضمن عدة اسلحة، وكان في الغالب سلاحا تابعا ومكملا لمواجهاته. انتشرت مدارس اعلامية غربية متعددة، ولكنها حديثا منبثقة من مدرسة «جوبلز» وزير الدعاية النازية، والقائمة على التأطير، وهو باختصار، رسم لإطار محدد للمتلقي لا يستطيع الخروج عنه وبالتالي يظل محاصرا في فلك استعماري مرسوم بعناية، كما تعتمد على الكذب المتكرر ليصدقه الناس في نهاية المطاف، فيما تعتمد المقاومة على مدرسة اخبارية عمادها اعلام حربي، الى جانب اعلام توعوي وتعبوي. من هذه المقدمات النظرية يمكن لنا ان نجتهد في الاجابة عن التساؤلات الموجودة بصدر المقال كما يلي: اولا: هناك بالفعل سيطرة لمعسكر الاستعمار وتوابعه، ولكنها ليست في مجال الإعلام ولكن في مجال الدعاية، اي انها سيطرة دعائية وليست اعلامية، بالمعنى المهني للإعلام. ثانيا: أسباب السيطرة هي ما يفرضه منطق الدعاية من أساليب لا تستطيع المقاومة مجاراتها، لأسباب أخلاقية، تارة، كما لا تستطيع تفنيد الكثير منها ومقاومتها بفعل التمويل، حيث المجال الاعلامي لا يتخذ اولوية متقدمة كما هو الحال لدى المعسكر الآخر، وبالتالي فان حجم ميزانياته تتوجه لميادين القتال كأولوية قصوى، ناهيك عن فارق الامكانيات المادية بين المعسكرين بفعل التراكم الرأسمالي الاستعماري، ناهيك عن الحصار الذي تتعرض له المقاومة. ثالثا: لا بد من الاعتراف ببعض القصور في إعلام المقاومة المتقدم برغم الحصار وبرغم القيود المادية والاخلاقية، لأن الاعتراف يقود الى مزيد من التطوير، وهذا القصور قد يتمثل في بعض التأخر عن الوصول لقطاعات كبيرة من الشباب المستهدف من قبل الإعلام المعادي بكل المغريات، ما يتطلب اجتهادا وإبداعا في هذا الإطار، كما ان اعتماد مبدأ الوقوف مع الحق كواحدة من نقاط القوة، يتطلب جهداً في بيان الحق مراعاة للمستجدات التي طرأت على الوعي الجمعي، وحجم ما تلقاه من ضلالات وتشويش وبلبلة. تبدع المقاومة في ميادين القتال واستطاعت فرض معادلة توازن الرعب مع العدو برغم فوارق الامكانيات والتمويلات، وتعمل لتولي الإعلام ذات الاهمية في الابداع. قد يعيب البعض على المقاومة ابداء التسامح مع تيارات تخلت عن المقاومة وعملت ضد مصالحها، وهؤلاء نقول لهم، ان المقاومة تتصرف بمسؤولية تجبرها على ابطال الذرائع وإقامة الحجة وفتح الباب دوما للم الشمل على خلفية المقاومة، ولكم ان تعيبوا عليها فقط عند التنازل عن مبادئها ارضاء لأي طرف.



