العراق وحكومات الطوارئ والإنقاذ .. خيارات الذهاب نحو المجهول

عادل الجبوري
مرة أخرى، تطفو على سطح الوقائع والأحداث في مشهد العراق الساخن، دعوات الى تشكيل حكومة انقاذ وطني أو حكومة طوارئ، كخيار لحل ومعالجة الأزمة باتجاهاتها وتشعباتها المتعددة. نائب رئيس الجمهورية، وزعيم ائتلاف الوطنية، اياد علاوي، أكثر من طرح ودعا الى تشكيل حكومة انقاذ وطني خلال الخمسة عشر عاما الماضية، وكان ومازال يطرحها، حينما يحتدم الجدل والسجال السياسي خلال موسم الانتخابات أو حينما يتأزم الوضع الأمني، وتزداد الضغوط السياسية على الحكومة والمفاصل العليا للدولة. ويبدو أن الدعوات الأخيرة لتشكيل حكومة انقاذ وطني، للخروج من المأزق السياسي، ولدت ميتة، كما هو الحال مع سابقاتها، لان رفضها القاطع والصريح جاء سريعا وحاسما، من قبل قوى وشخصيات وعناوين مختلفة، لها من التأثير والحضور في المشهد السياسي، الشيء الكثير. وبحسب مصادر مطلعة على حراك وتفاعلات الكواليس، أكدت قيادات سياسية، كرئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، وزعيم تحالف الفتح هادي العامري، رفضها مبادرة علاوي ودعوته لتشكيل حكومة إنقاذ وطني. وتشير المصادر الى ان علاوي يتحرّك لتشكيل حكومة إنقاذ وطني بقيادة شخصية وطنية عراقية لكنه يصطدم برفض المالكي والعامري، وأنه – أي علاوي – اضطر بعد رفض المالكي والعامري، لتقديم مقترح إلى زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر لتشكيل حكومة (الاقطاب) لكنه اصطدم ايضا برفض الصدر لهذه الفكرة. في الوقت نفسه، تتحدث مصادر صحفية محلية – عراقية – وخليجية بأن علاوي أوصل مسودة مشروعه إلى القوى السياسية العراقية والى عدد من سفارات الدول الأجنبية في بغداد، ومن بينها السفارة الأمريكية، مبينة أن الأميركان بعثوا بإشارات ايجابية حول المقترح. وفي هذا السياق، يذهب بعض المطلعين على جانب مما يدور في الكواليس، الى أن زيارة الوفد الاقتصادي – التجاري السعودي الى اقليم كردستان الاسبوع الماضي، تمحورت في جانب منها – وهو خفي غير معلن – على أهمية تفعيل الدور الكردي في العملية السياسية، لاسيما ما يتعلق منها بتشكيل الحكومة الجديدة، وبحث ودراسة الخيارات التي من شأنها اضعاف وتحجيم الحضور الايراني في العراق، والعمل على تفكيك وحل الحشد الشعبي، وعدم ترك الامور بيد القوى السياسية التي تنضوي بشكل أو بآخر ضمن عنوان «محور المقاومة». وهنا يلتقي الاميركان والسعوديون وأطراف اقليمية ودولية أخرى، ومعهم قوى وشخصيات سياسية عراقية، ولا شك ان علاوي احدهم-ان لم يكن ابرزهم-عند هدف واحد، وكذلك فأن في المشهد السياسي الكردي هناك من يتفاعل ويساهم بقوة في العمل على تنفيذ السيناريو الاميركي-السعودي. وطبيعي ان تبرز مخاوف حقيقية من الترويج لفكرة تشكيل حكومة انقاذ وطني أو حكومة طوارئ، لان ذلك يعني القفز على الدستور، وتجاوز كل السياقات والآليات الصحيحة التي تبلورت خلال الخمسة عشر عاما المنصرمة، والعودة الى المرحلة التي كان فيها الحاكم المدني الاميركي بول بريمر هو من يتحكم بكل شيء ويقرر كل شيء. وفي هذا الاطار، يصف عضو تحالف سائرون، رائد فهمي، مساعي علاوي بتشكيل حكومة الإنقاذ الوطني بـ»الخاطئة وستفتح الباب أمام التفرد بالقرار والدكتاتورية»، ويؤكد وجود مخاوف حقيقية من تشكيل حكومة الإنقاذ الوطني وإيقاف العمل بالدستور، فضلا عن مصادرة الحريات والتفرد بالقرار، وربما تعود البلاد الى الدكتاتورية. في الوقت عينه يستبعد فهمي امكانية تشكيل حكومة الإنقاذ في الوقت الحالي، لان حل الأزمات-بحسب ما يرى-سيتم من خلال تشكيل الحكومة المقبلة بعد إعلان نتائج الانتخابات النيابية، والمصادقة عليها من قبل المحكمة الاتحادية خلال الفترة المقبلة. فضلا عن ذلك، فإن سياسيين عراقيين اخرين يرون ان تشكيل حكومة طوارئ أو انقاذ وطني، يعد بمثابة انقلاب على الدستور، وتهديداً للعملية السياسية التي بنيت على أسس وركائز ديمقراطية بعد سقوط نظام صدام المقبور في ربيع عام 2003، لأنه سوف يؤدي الى حصر الصلاحيات التنفيذية والتشريعية بجهة معينة، ويفتح الباب واسعا لمزيد من الفوضى السياسية والأمنية في البلاد. والأمر المهم والايجابي هنا، هو ان المرجعية الدينية في النجف الاشرف، تكاد تكون قد قطعت الطريق نهائيا على مثل تلك الاجندات، من خلال ما طرحته في خطبة صلاة الجمعة الاخيرة من الصحن الحسيني الشريف، على لسان معتمدها الشيخ عبد المهدي الكربلائي، اذ انها تحدثت بلغة واضحة وصريحة الى حد كبير، وحددت مسارات الاصلاح التي ينبغي اتباعها من أجل حل ومعالجة الكم الهائل والكبير من المشاكل والأزمات التي يعانيها ابناء الشعب العراقي منذ عقد ونصف من الزمن، وكل ما أكدت عليه وأوصت به المرجعية، لم يخرج عن سياق الدستور ولم يتجاوزه، بل على العكس من ذلك تماما، يلمس المتابع بوضوح، ان المرجعية، ترى ان العمل والالتزام الحقيقي بالدستور والقوانين النافذة، يمثل مخرجا مناسبا من المأزق، وعلاجا ناجعا للأزمة وهذا ما تنادي به كل القوى والشخصيات والفئات المخلصة والحريصة، التي لا ترى في مشاريع حكومات الطوارئ والانقاذ، إلا ذهابا الى المجهول، وتكريسا للتفكك والانقسام والفوضى، وتمهيدا للخضوع والتبعية الكاملة لقوى الخارج.



