السمكة و الصياد
خالد الناهي
في زمن الاحتلال البريطاني للعراق، كان هناك رجل دين في النجف الأشرف، يخاطب الناس عن مخاطر الاحتلال، محذرا من الويلات التي تلحق بالشعوب المحتلة ان خضعت لذلك الاحتلال، لدرجة ان البريطانيين ضاقوا ذرعا به، وكان كل همهم التخلص منه وإسكات لسانه الذي أصبح أكثر إيلاما من الرصاص، لكنه أصبح محصناً بالشعب الذي التف حوله، لذلك اعتقاله أو قتله بصورة مباشرة من قبل البريطانيين، يزيد الأمور سوءاً، لذلك فكروا بطريقة يتخلصون بها من رجل الدين، وفي نفس الوقت تجعل الشعب راضياً عنهم.
لكي ينفذ البريطانيون خطتهم، بحثوا عن رجل عراقي بمواصفات خاصة، يحب المال كثيرا، وليس لديه مانع من قتل أي شخص مقابل الحصول عليه، بالفعل حين وجدوه اتفقوا معه ان يعطوه المبلغ الكبير الذي يطلبه، وفي الوقت نفسه وافقوا على طلب حمايته بعد تنفيذ العملية، قالوا له أطلق الرصاص على الرجل، وهرول الى الخارج ستجد القنصل البريطاني بانتظارك في الخارج ليحميك.
أتت الجمعة، وأقدم الرجل على فعلته، فضج الناس بالتكبير ومحاولة القبض على الجاني، لكنه ركض الى الخارج والناس تركض خلفه، بالفعل وجد القنصل بانتظاره لكن..
حينها سأل القنصل الناس الغاضبة ماذا حصل ؟! فأخبروه بان هذا الرجل قتل رجل الدين، انتفض القنصل واخرج مسدسه وأرداه قتيلا.
تعجب الناس، وقالوا انظروا الى هذا الرجل الصليبي، على الرغم من ان رجل الدين يتحدث عليهم بالسوء ويحرض عليهم، انتفض وقتل قاتله المسلم، أي انسانية يحملون هؤلاء، وأي عدل يسود في حكمهم ؟.
أصبح القنصل يمتلك كل الصفات الحميدة على وجه الأرض، والحقيقة انه قتل رجل الدين، الذي كان يقلق مضاجعهم، دون ان يدفعوا دينارا واحدا، وفي الوقت عينه قتلوا من نفذ العملية، والذي يعد شاهد اثبات عليهم، وبرضى الشعب، وبذلك نفذوا جريمة كاملة.
على الرغم من مرور عشرات السنين على تلك الحادثة، وتلك السياسة للمحتل، الذي اغلبنا يعرفها ويتحدث بها، إلا ان المحتل مازال ينفذها وتنجح، ومازلنا في كل مرة نبتلع الطعم ونحن في تمام القبول، مثل السمكة التي ترى السنارة التي اصطيد بها السمكة التي معها تماما، فتعود وتأكل من نفس الطعم، وهي مدركة انها تذهب للموت بإرادتها.
منذ عشرات السنين يقرأ الشعب العربي في مناهجه الدراسية عن الاستعمار وأساليبه في جعل الوحدة العربية ممزقة، لكن بإرادته ينفذ ما يريده الاحتلال، ويدفع مقابل ذلك الدم والمال، جيل بعد جيل نقول قوتنا في وحدتنا، وضعفنا في تفرقتنا، ولا نعتقد ان هناك شعباً لم يقرأ قصة العصى الواحدة كيف تكسر بسهولة وسرعة، أما العصي ان اجتمعت يصعب كسرها، مع ذلك تجد العرب أصبحوا اشتاتا، لا بل الدولة الواحدة، أصبح التناحر فيها على أشده، فهذا ابن الشمال وذاك ابن الجنوب وهكذا.
لا اعرف لماذا مازال العرب يجهدون ابناؤهم ويدرسونهم هذه القصص، إذا كانوا لا يريدون تطبيقها، أليس الأولى بهم ان يدرسوهم كيف الحمار يجب ان يطيع سيده ولا يخافه مهما قسى عليه، لان السيد يبقى سيداً والحمار يبقى حماراً، مهما تغيرت الظروف.



