علاقتنا بالله تعالى
السيد عباس نورالدين
أكبر مسؤولية في حياتنا هي تلك المرتبطة بعلاقتنا بالله تعالى. فكلّ المسؤوليات الأخرى تنبع منها أو تؤدّي إليها. فهو سبحانه المقصود النهائي والغاية القصوى من وراء كل فعل وتحرّك وسير في الوجود، {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُور}ولكي ننجح في هذه المسؤولية ينبغي أن تصبح عملًا واعيًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. هناك حيث يكون كل وجودنا مشاركًا في تحمّلها والقيام بها. ونقصان الوعي هنا مثل عدم وجوده؛ وكلاهما لا يؤدّيان إلى أي نتيجة طيّبة في هذه العلاقة.. ولو قيل أنّ الوصول إلى الوعي التامّ أو الوعي الكلّيّ هو الهدف من وراء كل عمل أو عبادة نؤدّيها لله، لما كان في هذا القول مبالغة..فالمقصود من الوعي تلك المعرفة التي تناقض الإنكار لا الجهل، وإن كان الجهل بأحد معانيه هو الإنكار. ومعرفة الله تعالى هي الاعتراف بحضوره وعدم التنكّر له حيثما كان: سواء في مواقف الدنيا المختلفة أم داخل النفس أم في مواقف الآخرة. والأخيرة هي الامتحان الأكبر والمقياس الأوحد. فالهدف من العبادة هو رفع مستوى وعينا وتقوية حالة الاعتراف هذه، لنخرج من مطلق الإنكار أو من أي إنكار قد يحصل معنا جرّاء بعض التجلّيات الإلهيّة (مثل التجلّيات الجلالية)، حتّى نصل إلى ذلك اليقين كما قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقين}..إنّ امتحان الإنسان الأكبر في هذه العلاقة يكمن في اعترافه بربّه وعدم التنكّر له في كلّ المواقف الوجوديّة في الدنيا والآخرة؛ وإن كان النجاح في الدنيا ممهّدًا للنجاح في مواقف الآخرة. فإذا تجلّى الله لك بأي نوع من التجلّي، وفي أي حضرة من الحضرات، أو مرآة من المرائي، فينبغي أن تكون مستعدًّا بالكامل للاعتراف به أو معرفته بذلك التجلّي؛ وهذا هو النجاح والفلاح..ولأجل النجاح في مثل هذه المواقف، أودع الله فينا فطرة عظيمة هي فطرة التوجّه إليه؛ والتي هي تلك المعرفة التي تفوق أي نوع من التصوّر والإحاطة والعلم. ففي كلّ إنسان شعورٌ قويّ بوجود الله، وإن لم يقدر على تصوّره. وحين يتجلّى الله لنا بصورة لا نعرفها مسبقًا، تأتي هذه الفطرة لتزيد من معرفتنا، بدل أن يتحوّل موقف التجلّي هذا إلى إنكار منّا. والذين يفقدون هذه الفطرة فمن المتوقّع هنا أن ينكروا ربّهم، الأمر الذي يُعدّ أحد أوجه الكفر البغيض..إنّ هذا الشعور هو الركن الأساس في كل عبادة نذكر الله تعالى فيها. فحين ينطق لساننا بذكر أسماء الله وصفاته وأفعاله وشؤونه في الصلاة، ويسرع ذهننا لتأطير هذه الأذكار في قوالب حسيّة أو خياليّة أو مفهوميّة، فإنّ ما ينقذنا من هذه المصيبة (في علاقتنا بالله) هو ذلك الشعور القويّ الذي يخرجنا من كل تلك الأطر، ويخبرنا عن وجود هو أعظم من كل ما أحاطت به أذهاننا، وأنّ من نعبده مشهودٌ في قلوبنا، وإن لم تدركه عقولنا..إنّ للعلم بالله تعالى هنا دورا مهمّا بشرط أن يكون في سياق التجربة العباديّة والتوجّه الفطريّ؛ وحين ينحرف عنها، فمن المتوقّع أن يصبح عاملًا أساسيًّا في إضعاف ذلك التوجّه الفطريّ والاعتراف الواعي. ولهذا قال بعض أهل الله: «إنّ العلم هو الحجاب الأكبر»؛ وقالوا أيضًا: «إنّ التفكر في الله هو الدخول في وادي الجحود»..فالعلم بالله عبر الأدلّة الفلسفية والعقلية يصدمنا ويوقظنا من الغفلة، ويبيّن لنا مدى ضعف وهشاشة المنكرين، لكن سرعان ما ندرك أنّ إنكار هؤلاء المنكرين لم يكن إلّا عن عناد ومآرب نفسيّة شيطانيّة..حسنًا، فلننتصر عليهم في معركة العلم والتصوّر، لكن علينا أن ننتصر على نفوسنا في معركة الوعي والمعرفة. فهذا هو الله الواحد الأحد سبحانه وتعالى عمّا يصفون. قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُم}.



