اراءالنسخة الرقمية

تأهيل الشخصية العراقية وتحديات المرحلة

علي حسين عبيد
لكل مرحلة من المراحل السياسية والاجتماعية طبيعتها وظروفها التي تختلف قطعا عمّا سبقها، إلا في بعض الحالات النادرة حيث يحدث بعض التشابه، فيُقال عندها (إن التأريخ يعيد نفسه)، ولكن تبقى الدول في حالة متحركة تبعا لما يحدث من تجديد في القيم وتحديث في الفكر، لذلك تبقى الأفكار في دوامة التغيير، وربما تظهر قيم جديدة وتندثر أخرى، وفي جميع الأحوال لابد أن تتغير شخصية الإنسان تبعا لطبيعة المرحلة، بسبب تغيّر المنظومة الفكرية، وعندما يتصدى المعنيون من رجالات الفكر والسياسة لبناء الدولة الجديدة، لابد أن يكون هناك استعداد لهذا البناء، وفي المقدمة من ذلك تأهيل الشخصية بما يتسق ويتناسب مع المهام والأهداف الموكلة لها. الاستعداد والتأهيل من العوامل المهمة لتجديد المجتمع ونقله الى مصاف المجتمعات الراسخة، لذا فإن مفهوم التأهيل يعني في أوضح وأدق تعريف له، هو (تهيئة الإنسان لكي يكون منتجا)، وتشمل هذه التهيئة، الجوانب النفسية والجسدية والحرَفية والعلمية، لذا ثمة جملة من الإجراءات التي تنتظم ضمن خطة واضحة المعالم ينبغي وضعها ومن ثم تطبيقها، بعد أن يتم الاستناد إليها والعمل بها لغرض جعل الإنسان متفاعلا مع الأهداف الفكرية والعملية التي يسعها لهضمها وتحقيقها، من هنا ينبغي التأهيل المسبق قبل تكليف الإنسان بمهمة ما، وبخصوص العراق في المرحلة الراهنة فهو أحوج ما يكون الى الشخصية المعدَّة والمؤهَّلة دائما. ترتقي الأمم من خلال وضع الأسس السليمة للتفكير، وتحريك الأدوات البشرية الناهضة بمشاريع التجديد، والمعني هنا بالتحريك، الاستعداد أو جعل الإنسان في حالة مناسبة للانطلاق بالمشروع المكلف به، ولابد أن يكون مؤهلا لهذه المهمة أو تلك، فلا يصح زج شخص في مهمة غير مستعد ولا مؤهل لانجازها، فالتأهيل والاستعداد إذن ثقافة ينبغي أن يتعلمها الجميع، ويجب أن تكون من ضمن تفكير وسلوك الجميع، بمعنى صنع شخصية عراقية تحب التطوير وتسعى إليه بشتى السبل.
ما الحلول الذكية للمشكلة ؟
لذلك هنالك في الشعوب المتقدمة طراز محدد من القيم تحكم السلوك والتفكير المجتمعي عموما، من ضمن هذه القيم، أن لا يتم زج الإنسان في عمل ما قبل تأهيله له، حيث تلجأ هذه الشعوب الى تدعيم مواهب وقدرات الفرد لكي يكون متميزا، وفاعلا ومنتجا ومتواصلا في عطائه عن رغبة وتميز، لذلك تحاول العقول الإدارية المسؤولة في المجتمعات المتقدمة أن تضع الحلول الذكية دائما من أجل تجديد الدماء والرغبات والإبداع لدى الفرد، فمن الأهمية بمكان أن يكون الفرد مؤهلا لما يُعرَض عليه من مهمة في أي مجال كان. قد تبدأ عملية إعداد الشخصية منذ طفولة الإنسان، ونعني هنا التربية العملية، أي كيف تكون مؤهلا للإنتاج، هناك خطوة تتخذها بعض الدول لتأهيل الإنسان قبل مطالبته بالإنتاج الأفضل أو الأمثل، من خطوات التأهيل المعمول بها في تلك الدول، مثلا منح المعلم إجازة من العمل لمدة شهر وإرساله في دورة تطويرية الى إحدى الدول المتقدمة، فتكون هذه الإجازة بمثابة تجديد للفكر وأساليب العمل، فضلا عن تجديد طاقة الجسد والعقل والنفس من خلال فرص الترفيه المتاحة والمدعومة من لدن الدول ماليا، وهكذا يعود المعلم – مثلا- بحصيلة تربوية رائعة من خلال إطلاعه أثناء الدورة التطويرية على أحدث أساليب التعليم، والتعامل المتوازن والناجح مع الطلبة، وحتما ستكون نتائج التعليم متميزة لسبب واضح، هو الإعداد والتأهيل المستمر. إن عملية التأهيل هنا لا تتعلق بعمل آني، ولا يمكن أن يكون محصورا بفرد معين، فالجميع ينبغي أن يسعى لاعتماد هذه الثقافة، بداية من الأسرة، التي يجب أن تتحمل مسؤولية تأهيل أفرادها لانجاز المهام الموكلة لهم، لا ينحصر هذا الأمر بالمعلم أو الطبيب أو أي موظف وعامل آخر، لان الجميع بحاجة الى عملية تأهيل متواصلة، وفي الغالب تكون الحكومة مسؤولة عن هذا النوع من التأهيل، ولكن يجب أن يكون هناك دور مهم للمنظمات الأهلية الثقافية التي تقوم بمثل هذه الأنشطة التطويرية لمهارات ومؤهلات أفراد المجتمع لمساهمة في بناء الشخصية العصرية. وإذا ما تم نشر مثل هذه الثقافة بين أفراد المجتمع عموما، بدءاً من الأسرة، فسوف تكون هنالك نزعة ورغبة تنحو الى التأهيل المتواصل، بالإضافة الى هذا الجهد الطوعي، هنالك بعض المؤسسات الأهلية الإنتاجية أو سواها تقوم بعمليات تأهيل متواصلة لكوادرها، بسبب إيمانها بأولوية تنمية رأس المال البشري، فالغرب على سبيل المثال، يهتم برأس المال من العملات الصعبة التي تدعم الاقتصاد وتطوره، ولكن الغرب نفسه يهتم أكثر برأس المال البشري، لأن المعنيين من قادة المجتمعات الغربية يعرفون ماذا يعني تأهيل الإنسان وإعداده لإنجاز مهمة ما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى