النسخة الرقميةثقافية

مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم

32

لأَنَّ «مَنْ لَمْ يقرأ التأريخ، لَمْ يحز قسطاً مَن الثَّقَافَة» بحسبِ أحد المفكرين، فَإننا لا نبعد عَنْ الحقيقةِ إذا ما قلنا إنَّ السَماوةَ يومَ أطلّ يحيى السَماوي عَلَى الدنيا، كانت بقعة مِنْ أرضِ ، باديتها المترامية الأطراف تشكلُ سجناً كبيراً للوطنيين وَالأحرار الَّذين حفروا طريقهم فِي مسارِ النضال الوطني، وَتفانوا مِنْ أجلِ أنْ يستبدلوا المحبة وَالسلم والنهوض بالظلمِ وَالاستبداد والكراهية والإذلال. وَيمكن الجزم بأنَّ هَذِه الميزة هيمنت عَلَى جزءٍ مهم مِن التأريخِ الحديث لمدينةِ السَمَاوة الَّتِي يرزح أهلها فِي شظفِ العيش، ولا شيء يميزها غير الطيبة وَينابيعها الثقافيَّة الَّتِي لا تجف؛ إذ أَنَّ الحكوماتِ العراقية المتعاقبة اعتادت الركون إلى عقابِ المعارضين لسياساتِها بالإبعادِ إلى تلك المدينة البائسة فِي جنوبي البلاد مِنْ أجلِ رميهم خلف قضبان سجن «نقرة السلمان» وَزنازينه المرعبة، وَالَّذِي أقيم عام 1928م إبان مدة الاحتلال الإنجليزي بالاستنادِ إلى توصيةٍ مِن الجنرالِ البريطاني «غلوب باشا» الملقب «أبو حنيك» فِي ناحيةِ «السلمان» جنوب شرقي منطقة صحراوية بالقربِ مِن الحدودِ العراقية السعودية. وَلا مفاجأة فِي القولِ إنّ عساكرَ «أبو ناجي»، أخضعوا تحديد مكان إنشاءِ هَذَا السجن إلى دراسة دقيقة تحقق غاية المحتل فِي إيجادِ تكوين مادي بمثابةِ «منفى» وَليس كما جاء فِي بعضِ الروايات مِنْ أجلِ الحيلولة دُون تسلل المهربين وَالشروع بممارسةِ نشاطاتهم فِي إدخالِ سلعٍ وَبضائعَ بشكلٍ غير قانوني، فكان الاختيار مثالياً؛ لأنَّ المنطقةَ المنتخبة منخفضٍ فِي الباديةِ يشير إليه السكان المحليون باسْمِ «النقرة». وَلعلَّ مَا يدعم قولنا هو أَنَّ الحكومةَ العراقية، أقامت فِي أعوامِ العقد السادس مِن القرنِ الماضي سجناً آخر فِي المنطقةِ ذاتها أكبر بأضعافٍ مِنْ بنايةِ المعتقل القديم الَّذِي يُعَدّ أقدم السجون فِي بلادِنا.
النفط الذي أشبَعَنا جوعاً ، متى يجفُّ؟
دماؤنا ستبقى تسيلُ حتى آخر
برميل نفط!
ـ ـ
على ماذا يتناطحُ الصيّادون؟
حيتانُ المحتلِّ لم تُبقِ من سمكةِ
الوطن إلاّ الزعانف!
ـ ـ
سيادة الوالي
حسناً فعلتم بتشييدكم نصباً تذكارياً للجندي المجهول..
ولكن:
متى تشيدون نصباً تذكارياً للشعب المجهول؟
مِنْ المعلومِ أنَّ أبرزَ مَا يميز بادية السَمَاوة هو خلوها مِنْ أبسطِ مظاهر الحياة المدنية، حيث لا يعيش فِيها غير بدوٍ رحّل يعتمد استقرارهم المؤقت عَلَى وجودِ مصادر المياه وَالعشب، ولا يطأ أرضها إلا المهربون وَدوريات حرس الحدود. وَلعلَّ فِي القلبِ مِنْ سماتِ تلك البادية ـ بالمقارنةِ مَعَ مجريات الحياة فِي المَدْيَنة أو غيرها مِن البيآتِ الاجْتِماعِيَّة الحَضريَّة ـ هو العزلة الَّتِي تخيم عَلَى مُجْتَمَعها الَّذِي يُعَدُّ فِي واقعِه المَوْضُوعِيّ مِنْ بَيْنَ التكوينات المستقلة بذاتها؛ نتيجة تميز طابعها الإسكاني بسُبُلِ عيشٍ متفردة، فرضتها حاجة مَنْ يسكنها إلى التعاملِ مَعَ صعوبةِ معطياتِ الحيَاة، وَمِنْ هُنَا جاءت إشارة المؤرخين إلى أَنَّ ذلك المنفى القسري يُعَدّ بوصفِه نهاية الطريق لِكُلِّ شخصٍ منتمٍ إلى حزبٍ أو لِمَنْ لديه سجل نضالي فِي أعوامِ العقدين الخامس والسادس مِن القرنِ الماضي.
حـلـمـتُ يـومـاً أنـنـي صـرتُ
أبـا نـؤاسْ
وكـان مـا بـيـنـي وبـيـن الـوطـن الـجـريـحِ
جـوعٌ ودمٌ
يـسـيـلُ مـن مـئـذنـةٍ
وروضـةٍ مـذبـوحـةِ الأغـراسْ
وحـيـنـمـا هـاجَـرَ مـن أحـداقـيَ
الـنـعـاسْ
رأيـتُ جـفـنـي زِقَّ أحـزانٍ
وجـرحي كـاسْ
أَمْرٌ شَدِيدُ الأَهَمِّيَّةِ هو استحالة تحقق أي عملية هروب مِن هَذَا السجنِ الأسطوري الَّذِي أقيم عَلَى شكلِ قلعةٍ مكونةٍ مِنْ ثلاثةِ طوابق، ثم اضيفت إليها لاحقاً عشر قاعات تتوسطها باحة كبيرة. وَضمن هَذَا الإطار يروى أَنَّ سجيناُ اتفق مَعَ بعضِ أهالي المنطقة البقاء فِي بئرٍ خارج السجن حتى تحين فرصة هروبه، لكن سرعان مَا خابت آماله حينمَا أخفق فِي الابتعادِ كثيراً عَنْ تلك القلعة المشؤومة؛ إذ وجد ميتاً خلفها مِنْ شدةِ العطش. ولعلَّ مِنْ بَيْنَ أهم الصفات الَّتِي تدلل عَلَى بشاعتِه هو استيطان أروقته الأمراض الخطيرة، فضلاً عَنْ استخدامِ جواره مقبرة يدفن فِيها المعتقل الَّذِي يلقي حتفه. وَبحسبِ شهادات بعض أهالي المنطقة، فإنَّ دفن الموتى كان يتم بشكلٍ سطحي، حيث يكتفي الجنود وَالحرس بإهالةِ التراب عَلَى السجينِ الميت قبل الانصراف عَن المكانِ بشكلٍ سريع. وَتحضرني الآن حكاية قرأتها قبل ثماني سنوات عَنْ ذكرياتِ المعتقلين يصف فِيها الشاعر العراقي عباس البدري الحياة فِي ذلك السجن الرهيب بقولِه: «كانت السماء وحدها تلتهم غموض الصحراء وتشطر حبات رمالها فيما كانت بوابتا سجن نقرة السلمان مشرعتين على مصراعيهما في الليل والنهار ولكن اين يذهب السجين اذا ما حاول الفرار»؟!
قالتْ وفي دمها من لوعةٍ لهبُ:
علامَ وجهُكَ يرسو فوقه التَعَبُ؟
ولِمْ قناديلكَ الخضراءُ مطفأةٌ
كأنّما لمْ تزُرْ أجفانها الشهُبُ؟
ولِمْ جوادُكَ جرحٌ رحتَ تركبهُ
فما يضمّك بيتٌ حيثُ تغترِبُ؟
فبئستِ الشمسُ إنْ لم تُسْقِنا ألقاً
وبئست الأرضُ لا ماءٌ ولا خَصَبُ
وبئس عمركَ في الآفاق تنفقُهُ
نديمُكَ الشوقُ والحرمانُ والوصَبُ
فقلتُ : عفوَكِ بيْ من كلّ ناحيةٍ
جرحٌ يؤرّق أجفاني ويحتطبُ
أنا المسيحُ الذي عُلِّقتُ أزمنةً
على الدروبِ ولكنْ قوميَ العَرَبُ
نذرْتُ للوطنِ المذبوحِ قافلة
من السنين عليها من منىً ذَهَبُ
وللتي خبّأتْ ليْ تحتَ بردتِها
خالاً توسّدَ سفحا طيبُهُ العَجَبُ
كلاهما شاء قتلي دونما سببٍ
إلآ لأنّ فؤادي الناصحُ الحَدِبُ
أقسى المواجع: جرحٌ لا يسيل دماً
وأعمقُ الحزنِ: حزنٌ ما له سببُ
رضعتُ حزنا من الثديين في صغري
وإذْ كبرتُ فحزني أخوةٌ وأبُ
أسامرُ الكأسَ أخفي تحت نشوتها
ذلي وأزعمُ أني صادحٌ طرِبُ
أخيط جرحيَ بالسكين.. يحرقني
مائي ويُثْلِجني في جمره اللهبُ
عريانُ تُلبِسُني الذكرى عباءتها
وفي بحيرة حزني يغرقُ الخشَبُ
أما عبرتُ بحاراً دون أشرعةٍ
وفي حقول فؤادي أتمَرَ القصبُ؟
فكيف يثكلني عشقي ويذبحني
عشبي فيفرع في بستانيَ الجدبُ؟
مَا غاب عَنْ بالِ السلطات، وَمَا لَمْ تدركه وسط التباهي بضخامةِ إنجازها التعسفي فِي نقرةِ السلمان، هو اَنَّ النفيَ إلى زنازينِ تلك القلعة الرهيبة ـ وَإن طالت مدته أو جهل المنفيّ مصيره ـ لَمْ يكن بوسعِ البشع مِنْ تداعياتِه إدخال اليأس فِي نفوسِ المناضلين إلى الحدِ الَّذِي يجعلهم يظنون اَنَّه الملجأ الأخير لرحلتِهم فِي الحياة؛
إذ أصبح ذلك المعتقل بمثابةِ «بركان فكري» قابل للمُسَاهَمَةِ بشكلٍ مؤثر فِي إشعالِ الشارع المحلي بتباشيرِ الثورة فِي القادمِ مِن الأيام، وستدك حممه أسوار السلطة وأذنابها مِن الإقطاعيين وَغيرهم، فحلم الحرية وَالسيادة، فضلاً عَمَا مِنْ شأنِه تقويض سلطة الاستبداد، كانت مِنْ أبرزِ العوامل الَّتِي ساهمت فِي صيرورةِ التحدي العميق لفكرةِ المنفى، وَالَّذِي ساهم فِي تدعيمِ مرتكزات الأرضية «الثورية» للســــــــوادِ الأعظم الَّذِي همّشته الحكومات العراقية المتعاقبة وَمارست ضده كُلّ أشكال التمييز.
فيمَ العتابُ؟ وماذا ينفع العَتَبُ؟
أنا دخاني وناري، بلْ أنا الحطبُ!
فكيف أطلبُ من بستانها عِنَباً
تلك التي عزّ منها الدّغلُ والكرَبُ؟
يا عاشقاً لمْ تسامرْ قلبه امرأةٌ
وسامرتْه دواةُ الحبرِ والكتُبُ
أكلّ مطلع فجرٍ ثمّ مذبحةٌ
وكلّ مهجعِ ليلٍ ثمّ مُضطرَبُ؟
مُريبةٌ هذه الدنيا فلا عجبٌ
أنْ يكذبَ الصدقُ أو أنْ يصدق الكذِبُ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى