اراءالنسخة الرقمية

القمم العربية والهروب الى الأمام

محمود الهاشمي
لا نستطيع أن نقفز على مخرجات القمة العربية في ظهران السعودية التي انعقدت يوم 15 شباط 2018, على الرغم من أن وسائل الاعلام العربية اهملتها بشكل لافت , إذ انعدمت التحليلات والتوقعات سواء قبل انعقاد القمة أو بعدها , ويبدو أن اسبابه واضحة , وهو اليقين التام لدى جميع الاطراف أن المجتمعين من حكام ورؤساء في واد وقضية الامة التي {يمثلونها} في واد آخر. وإذا كانت وسائل الاعلام العربي قد اخفت رأسها عن أحداث القمة للسبب اعلاه فأن الاعلام الغربي أهتم فقط في الجانب التقييمي للبيان الختامي , حيث قرأ من خلاله الامور الاتية تأثير الولايات المتحدة على القرار العربي بعد الربيع العربي وتفردها في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. تأثير نظام الحكم السعودي على القرار العربي . الى أي مدى نجحت {الفوضى الخلاقة} في صناعة دول من ورق الى أي حد نجح مشروع وجود {العدو البديل} عن اسرائيل ؟. ما حجم العداء لإسرائيل ؟. ما موقف الدول العربية من خصوم أمريكا وإسرائيل ؟. كيف تلقى الشعب العربي البيان الختامي للقمة ؟ لا شك هناك اسئلة اخرى تقع في الجانب الاستخباري لم يتم الاعلان عنها لكنهم انتهوا الى أجوبة سريعة جاءت معظمها بعد انعقاد القمة بساعات وتضمنت أن أمريكا حاضرة في القرار العربي ولم يستطع القادة الحاضرون أن يأتوا بعبارة واحدة ضدها , سوى البند المعني بالقدس كعاصمة لإسرائيل , وهذا الامر تم الاتفاق عليه مسبقا كـ{هامش} يظهر فيه العرب موقفهم من القضية الفلسطينية والتضامن معها فيما لم تظهر كتلة مناهضة للتدخل الاميركي في المنطقة ولدعمها التأثير السعودي في القمة كان واضحا والبيان الختامي كتبه الملك السعودي ووقع عليه القادة العرب. استطاعت {الفوضى الخلاقة} التي سبقت {الربيع العربي} أو تبعته أن تجعل الحكام العرب في حالة من {الشدة} بحيث أنهم حضروا للقمة لإسقاط فرض وليس للشعور بأهمية القمة وبياناتها ثم هذه القمة من غرائبها أنها لم تشهد مصالحة بين دولة عربية وأخرى بل ليس هنالك من دعا للمصالحة بين قطر والسعودية وكأن الارادات الخارجية ارادت تبقى {قطع الشطرنج} في مربعاتها. التأثير واضح لإيجاد عدو بديل للعرب عن اسرائيل , حيث {ذكرت إيران بالاسم في البيان الختامي ضمن الفقرات الثامنة والتاسعة والتاسعة عشرة والرابعة والعشرين، كما أنها ذكرت بشكل غير مباشر في فقرات أخرى عن اليمن وسوريا والبحرين}. وحشيت كلمة الملك سلمان بكلمة ايران في أول كلمته وحتى نهايتها.العداء لإسرائيل لم يتعد الدعوة الى العودة للقرارات الدولية السابقة وتجاهل جرائم إسرائيل الأخيرة وقيام قناصيها بقتل 35 متظاهرا مدنيا فلسطينيا وإصابة الآلاف بجراح، ويبدو هو تجسيد لتصريح ابن سلمان {أن من حق الإسرائيليين العيش في أرض أسلافهم} فيما أعلنت السعودية عن تخصيص مبلغ 200 مليون دولار لدعم برنامج الأوقاف الإسلامية في القدس ووكالة الإغاثة, وهو مبلغ لا يساوي سعر يخت محمد بن سلمان .الموقف من العراق تجلى في الدعوة والتأكيد على {تفعيل عملية سياسية تفضي الى العدل والمساواة وصولاً الى عراق أمن ومستقر} والإشارة واضحة في {التهميش} وتداعياتها. ولم يتطرق البيان الى الخمسة آلاف انتحاري التي أفتى رجال الدين السعوديون بـ{جهادهم} وكانوا سببا في سقوط عشرات الضحايا وتدمير البنى التحتية للبلد. ولا الى الخسائر التي يجب ان تدفعها السعودية جراء ذلك كما دفعت لأمريكا.
الدولة السورية أخذت حصتها من البيان بـ{ادانة الهجوم الكيمياوي} برغم أن لجان التقصي مازالت في سوريا ولم تقل كلمتها . أما كيف تلقى الشعب العربي سماع البيان الختامي للقمة , فقد غلب عليه الاهمال التام , ليس لان الشعب العربي أعتاد أن يرى في القمم العربية عنوانا للاستسلام والهزيمة فقط ولكن في أنه مشغول بيومياته وبالتخبط السياسي الذي يعم جميع الدول العربية , ناهيك أن الاعلام {المبرمج} ظل غارقا بشؤون بعيدة عن أي مشروع عربي مشترك سواء كان سياسيا أو اقتصاديا, فيما استطاعت الماكنة الاعلامية الغربية أن تشيع الطائفية والعرقية كبديل لأي مشترك آخر ولم نسمع بيانات الاحزاب التي كانت تشجب ولا قصائد الشعراء التي كانت تدين فقد غلب الصمت على الامة .البنود التسعة والعشرون التي أشتمل عليها البيان الختامي للقمة والذي يناسب عدد القمم العربية جميعا جاءت ملأى بالإنشاء وبعيدة عن هموم الانسان العربي فيما تتقافز من فوق أهم التحديات والموانع التي تقف أمام الامة , وتعلن عن هزيمة كبرى للحكام العرب أمام خصمهم اسرائيل وتطلعاتها وتؤشر انها حلّقت بعيدا عن مآسي الوطن العربي وتطلعاته , وأظن أن التحدي الاكبر الذي قامت به , انها اجتمعت في المركز الثقافي الذي هو عبارة عن أحجار للآلهة القديمة , وفي مدينة ظهران , حيث نالتها صواريخ انصار الله لمرات ..
في الختام , أقول أن هذه {القمم} قمم الهروب الى الامام , لا تمثلنا كأمة , لا في حكّامها , الذين ملؤوا فناء قاعة الاجتماع بالأخطاء اللغوية , وبعبارات الهزيمة والخنوع ولا في اسماء قادتها الذين بدو كتماثيل شمع في قاعة مهجورة, وإنما نحن الشعوب الذين نكتب قراراتنا بأيدينا , ونصنع مستقبل أجيالنا سواء اليوم أو في الغد , وان جميع الامم التي سبقتنا في نهضتها , كانت لهم مثل هؤلاء الحكّام {التماثيل} فمازالوا يكدحون ويعملون حتى ابدلوهم بآخرين منهم , هم من أشاد لهم تجربتهم وأنجز لهم مشروعهم الحضاري . هؤلاء يريدوننا أن نشتمهم , ان نقول بهم كما قال نزار قباني {أن قضاءنا أن يغتالنا عرب,ويبقر بطننا عرب, ويفتح قبرنا عرب,فكيف نفر من هذا القضاء} لابد أن نصنع قدرنا بأيدينا ولن نترك لهؤلاء ان يكونوا بديلا عنا , وان شتمناهم سينامون هنيئاً في تلك الليلة , لأنهم أفرغوا شحنة ثورتنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى