الجدة
غسان محسن عباس
4
انسحبت ام هاشم من تلك الغرفة وهي تهز كفها تعجبا من قلة اكتراث هذه المرأة بزوجها لكنها عزت نفسها بقرب عودة ابنها للمنزل واستقراره في عمل يتيح له ان يبقى قريبا من داره واسرته حتى يستطيع ان يصلح شؤونها خاصة ان الجنين الذي في بطن تلك الزوجة كان لا زال في اشهره الاخيرة، ولكن آمال الجدة المسكينة ذهبت ادراج الرياح في لحظة واحدة اذ جاء خبر للأسرة الصغيرة بعد تلك الحادثة بساعات فعصف بهم كريح هوجاء تقتلع الاشجار عن مواضعها، وقيل لهم ان ابنهم اصيب في احدى المعارك بإصابات خطيرة في راسه نقل على اثرها للمستشفى الذي هو في يقع في نفس المدينة، فأسرعت امه إليه كطائر مذعور فقد ابنه في حادثة مريعة وصار يبحث عنه بهوس في البراري الموحشة، ولما وصلت الى هناك لم تتمالك نفسها تفجرت الدموع من عينيها كنهرين لا يتوقفان وباتت الليالي تسهر على راحته وتدعو الله بلا كلل او ملل ان يشفيه ويعيده اليها كما كان، اما زوجته فلم تبدِ اكتراثا كبيرا به بل انها لم تذرف دمعة واحدة على ما اصابه وعللت برودها تجاهه وقلة اكتراثها بما جرى له بالحمل الذي لم يستمر طويلا، اذ حدث في ليلة ما ان وضعت توأمين فسعدت اهم هاشم بهؤلاء الاحفاد الجدد، لكن سعادتها لم تستمر الا وقتا قصيرا، اذ انها ذهبت الى المستشفى لتبشر ابنها الغائب عن الوعي لكنها فوجئت برؤيته ميتا وقد بدا وجهه باسما وكأنه قد علم بما رزقه الله به من ابناء وهو في حالته تلك، فحزنت الام كثيرا وصارت الدموع لا تفارق عينيها الا اذا ما ذهبت لرؤية حفيديها او حينما كانت ترعى بقية احفادها الذين بقوا معها في المنزل، وفي الوقت الذي عانت فيه الام من فقدان ابنها وحزنت عليه حزنا كبيرا لكنها لم تستسلم لخسارتها العظيمة تلك، وظلت ترعى اسرتها من احفاد وزوج مريض كان قد اصيب هو الاخر بنكسة صحية كبيرة عقب ذهاب ابنه اما الكنة الشابة فقد بدا عليها الحزن في بداية الامر لكن شيئا ما كان قد تغير فيها بعد رحيل زوجها المبكر، حيث كان باستطاعة المقربين منها ان يشعروا بان الانكسار صار يملأ روحها وكأنها حزينة على نفسها وشبابها الذي قدر له ان يحبس مع هذه العجوز وزوجها وأولئك الايتام، وما ان توالت الايام حتى بدا وكأن شيئا قد تغير فيها وصارت تخرج كثيرا من المنزل خاصة بعد ان اصبح التؤامان اللذان وضعتهما في حالة تؤهلهما للزحف على الارض وبالتالي الاعتماد على نفسيهما الى حد ما، ولم تستطع ام هاشم ان تفعل شيئا ما ازاء تغير معاملة الشابة لإحفادها لكنها لمحت لها حول هذا الامر لتظهر لها عدم رضاها عن حالها من دون ان يكون لذلك اي اثر، اذ صارت احلام تماطل في جوابها وتتهرب حتى صارحتها في احد الايام بانها لم تعد قادرة على كتمان الامر وان هناك رجلا يطلب يدها للزواج، ومؤكدة في ذات الوقت على ان هذا حقها الذي يضمنه لها الشرع والقانون، ذهلت ام هاشم في اول الامر لكنها سرعان ما راجعت حساباتها وذكرياتها فوجدت بان هذا امر متوقع من شابة مثلها لكنها جزعت حينما فكرت في امر الاطفال فسألتها :
-وماذا عن اطفالك ؟
– سأتركهم عندكم، هذا بيت جدتهم وانتم اولى بتربيتهم .
دهشت ام هاشم وهي تسمع ذلك الكلام منها اذ انها كانت تتصور ان جميع النساء لديهن مثل اخلاصها ووفائها، وحاولت مرة اخيرة مع اهل احلام لكن تذرع والدها بالمرض وانه لم تعد لديه طاقة لحل مشاكل ابنته لعجزها فقررت الجدة ان تسلم امرها لله وان تقوم على رعاية هذه الاسرة لوحدها مهما كلف الامر وما هي الا ايام حتى رحلت الشابة عن المنزل وكأن احدا لا يخصها فيه، اما ام هاشم فقد صارت تنظر اليها وهي تحمل حقيبتها وتقلب نظرها في زوايا المنزل وقد امتلأت نفسها حزنا واشفاقا على احفادها الصغار لاسيما احد التؤامين، حيث تعلق بثوب امه التي كانت تهم بالخروج من المنزل وهي تحمل معها اهم ما يشغل بالها في تلك الاثناء من ثياب وحلي غير منتبهة الى الطفل الذي صار يبكي فأسرعت الجدة نحوه وحملته لتهدئته وهي تهمس له: اهدأ يا حبيبي أمك ستعود بعد قليل . لكنها لم تستطع ان تتمالك نفسها فغلبتها دموعها ونزلت كالمطر الذي كان قد غيب شمس في وضح النهار رغما عنها، وسط دهشة وذهول الاحفاد الذين لم يعلموا ما اصاب جدتهم في تلك اللحظات العصيبة .ازدادت المسؤوليات الملقاة على عاتق الجدة بعد رحيل احلام عن المنزل، ولم يكن هنالك من معين لها على هذه التركة الثقيلة والحمل الكبير الذي صار منوطا بها خلا بعض المساعدات الصغيرة التي كانت تأتيها من بعض المقربين، كما ان ابنتيها اللتين باعدت الازمنة والامكنة بينهما وبينها لم تنسياها تماما فصارتا تزورانها كلما اتيحت لهما الفرصة لإعانتها ولذم تلك الام التي تركتهم ومضت لتشبع رغباتها غير عابئة بأطفالها الصغار، لكن ام هاشم كانت تنهى ابنتيها عن قول اي كلام مسيء عليها خاصة في حضرة ابنائها، ولم يقصر معظم الجيران معها فصارت جاراتها يزرنها بشكل دوري لغرض تسليتها ومساعدتها على قضاء عمل المنزل والحاجات الضرورية، ولكن كل ذلك لم يكن الا من قبيل المواساة لها والتضامن معها اكثر من كونه مساعدة حقيقية، حيث كانت تجد نفسها وحيدة في نهاية اليوم تتجاذبها ذكريات الماضي وامال المستقبل، فلم تجد بدا من العمل فافتتحت دكانا صغيرا ساعدها على اعانة اسرتها بطريقة سد الرمق في اول الامر اذ كانت ترى ان ازمتها مؤقتة وكانت تردد بشكل دائما ان ابنها هاشم سيعود حتما في يوم ما لينتشلها من هذه المعاناة، ومما زاد من صعوبة مسؤولياتها هو ما حدث بعد ذلك، فقد زارتها ابنتها الكبرى وتركت عندها اطفالها الذين هم بنت وصبيان من اجل ان تأخذ هي وزوجها ابنتها الصغيرة التي اصيبت بوعكة الى الطبيب الذي دلهم عليه بعض الجيران وكانت عيادته الخاصة في منطقة قريبة من منزل الجدة ، ومرت الساعات ولم تعد زينب او زوجها وصار قلق ام هاشم عظيما عليهم فوقفت في الباب تنتظر عودتهم من دون ان تظفر بشيء ولما تأخروا عليها اضطرت للذهاب وراءهم تسأل عن العنوان الذي سمعته من ابنتها فوصلت الى هناك بعد ان نال منها التعب وعرفت ان حادثة بسيارة كبيرة اودت بحياة عدد من الاشخاص وكان من بينهم رجل وزوجته التي تدعى زينب وابنتهما الصغيرة، وانهارت الجدة للحظات طالت بعض الشيء لكنها لم تسمح حتى لحزنها على ابنتها ان يجعلها ضعيفة امام الرجال الاغراب، فلملمت شجاعتها ثم عادت الى المنزل بخطى متثاقلة وعينين دامعتين فوجدت الطفلين نائمين هناك فاحتضنتهما وصارت تبكي بكاءاً شديدا، وحينما رفعت رأسها ابصرت زوجها الهرم المريض واقفا على مقربة منها ويتطلع إليها فأخبرته بعد الحاح منه عما جرى فسقط مغشيا عليه من الحزن وما هي الا ساعات قليلة حتى فارقت روحه جسده ليترك المرأة التي هرمت قبل اوانها وحيدا تنوء بحمل مسؤولية اطفال كان امامهم طريق طويل حتى يستطيعوا ان يقفوا على اقدامهم ويتحملوا مسؤولية انفسهم.



