النسخة الرقميةثقافية

«المحرقة» .. ضياع الأحلام و رائِحة الشِواء البشري

محمد وذاح

عندما أنهيت رواية «المحرقة» للروائي العراقي قاسم محمد عباس، الصادرة عام 2010، اِنتابني شعور بالحزن، بالآسِى، بالمرارة، حتى اُرغمت عيناي عن مضض أن تُغرورق بالدموع في مقطعين منها، وأيضا شعرت بالفرح.
الأسِى لما تمتلك هذه الرواية من ذاكرة مُليئة بويلات الحروب التي التهمت الكثير من ابناء هذا الوطن والذي قدر له أنَّ يكون محرقة تُسَعَّرُ بهم نارُها، ما إن تخْبُوَ حتى يُنفخ فيها من جديد ليكون وقودها ابداً ابناءها!، والفرح لأننا نمتلك كتاباً بهذا الحجم تناولوا التاريخ بأسلوب شيق عن طريق سرد أحداثه بكل ما تحمل من ويلات واحزان وافراح وتدوينها في قالب أدبي بعيداً عن التدوين المتجرد والذي طالما كان محط خلاف، اضافة إلى أن الرواية جديرة بالثناء لمتلاكها كل مقومات البنية السردية من الحبكة والذاكرة التاريخية وأشتغالها في مساحة بين هاويتين طالما سمعنا عنها ورواها ضحاياها الإ إنها تبقى غير ملموسة وبعيدة الاحساس ما لم تمس روحنا، من خلال تداخل «الخوف بالاذلال»!
تجري أحداث الرواية بين عامي 1982- 1988، هذه المسافة الزمنية التي تمثل نُدباً كبيراً في ذاكرة الجسد العراقي وهو تاريخ بداية الحرب العراقية الايرانية وتاريخ انتهائها.تبدأ أحداث الرواية عندما يُفاجأ طالب كلية الهندسة مروان بهروب أخيه الأكبرغسان من ثكنته العسكرية بسبب الحرب الى خارج البلاد فيضطر تحت ضعط الاب نتيجة خوفه على مصير العائلة الى تمثيل دور أخيه في الجيش مستغلاً الشبه الموجود بينهما، لينتهي الامر بمروان في محرقة للأطراف البشرية في وحدة الطبابة العسكرية بالبصرة والذي يكون عالمه الوحيد حيث يقوم بحرقها والحفاظ على دوامة النار فيها مضحيا بحياته ومستقبله من اجل عائلته التي يخشى عليها من بطش النظام فيما اذا تم اكتشاف أمر هروب أخيه.يتعرف مروان في المحرقة بزميل آخر هو الدكتور محسن الربيعي المعاقب أيضا بسبب عودته من لندن مع زوجة انكليزية عندما وَشَي بهِ من أحد كتاب التقارير بانه كان يحاول الهروب خارج البلاد، ليكون عالم مروان الجديد بين المحرقة واستراق السمع قرب دار الطبيبات في ذلك المكان الموحش، كانت متعتهُ الاستماع من وراء السور الفاصل بين المحرقة ودار الطبيبات الى حكاياتهن والتعرف على اصواتهن ومتابعة صوت ليليان ايوب المسيحية، الكيمائية في مختبر التحليلات، المثقفة والقارئة الجيدة للرواية والأدب الانلكيزي والفرنسي، فيُنشأ مع صوت ليليان علاقة حب تصل حد التماهي مع قراءاتها وتكون بمثابة الخارطة التي يعتمدها في اقتناء الكتب والروايات، هذه العلاقة كانت شيئا خياليا من طرف واحد لولا ان يشاء القدر بمروان عندما ذهب الى المستشفى بسبب إصابة كمال، عازف الناي والقارئ النّهم، صديقه القديم في السجن بعد ان تم نقله الى الجبهة لتقطع يده التي كان يعزف بها بشظية كبيرة وبين الالم والحزن على حال كمال يتفاجأ مروان بوجود ليليان في المستشفى فيتحول الحلم الى حقيقة فتنشَأ بينهما علاقة بعد أن قادته ليليان الى أسرار جسدها في علاقة مكتوب عليها ان تنتهي بانتهاء الحرب، حيث تقول ليليان: «اشعر أن الموضوع قد إنتهى، وصلنا الى مفترق طرق لقد جمعتنا الحرب وفرقنا انتهاؤها هذا هو الواقع».في نهاية الرواية يجد مروان نفسه وقد عاش حياتين منفصلتين، حياته الاولى سجينة لحياته الثانية، لذلك يقول: «حاولت ان اقيم نوعا من الانسجام بين التناقض الذي عشته فكل جانب في داخلي يكذب الاخر. لقد رأيت السعادة والموت والألم، لقد رأيت اشياء كثيرة، ولم اكن املك وسيلة لمنع تلك الاشياء المؤلمة من ان تحدث. لقد سيطر على حياتي فكرة انني سجين فكرة ابي التي حطمت حياتي، وانا المسجون تحملت مصيري كسجين، وليس بيدي ان افعل اي شيء حقيقة سوى ان اقوله واكشفه الى الآخرين، أمنح بعض التمايز، كمعرفة بالوضع الانساني». ص222رواية المحرقة صرخة واضحة بوجه تلك الحروب في كل مكان حيث خسارة الانسان لحياته وضياع لإحلامه من دون سبب سوى لإرضاء غرور مُشعليها، وحتى اولئك الذين خرجوا منها سالمين فهم ايضا اثقلت نفوسهم بخسارات الزمن المسروق من حياتهم و بشاعة الذكريات التي تخلفها الحروب على مشاعرهم، فيقول مروان بعد انتهاء الحرب وعودته الى المنزل: «لقد أيقنت بان العنف والاضطهاد والحرب ومشهد الدم هي حياتي، وسيبدو صعباً على العالم أن يواصل طريقه بغير عنف واضطهاد. وكل ما يجب أن أعلمه لغيري هو معنى آخر للشجاعة، بمعنى أن نرى أمامنا حقيقتنا، فالشجاعة لا تحتمل معنى ابعد من هذا»!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى