اراءالنسخة الرقمية

مصريون مجبرون أم هي ثقافة شعبية ؟

أحمد ماهر
أصبحت الشوارع في مصر مثل حساب شخصي على تطبيق «إنستغرام» للمرشح الرئاسي، عبد الفتاح السيسي. وهناك أماكن يلاحظ فيها أن اللافتات الدعائية تعيق الرؤية، وتحجب العمارات والأشجار، وأحيانا تحجب الشمس في الشوارع الضيقة. صور متنوعة بعبارات متشابهة، تدل على أن مصدر اللافتات واحد، أشخاص وشركات ومقاهٍ ومطاعم وأكشاك وعائلات تنشر لافتات الدعاية والتأييد والمبايعة كل ساعة، وكأنها انتخابات حقيقية. لا يخجلون من الإعلان أن هدفهم الحقيقي هو رسالة إلى العالم أن هناك تأييدا غير مسبوق داخل مصر للزعيم الملهم، ولا يخجلون في تصريحاتهم من الاعتراف بأنها مثل استفتاءات «نعم ولا» التي تعوّد المصريون عليها منذ انقلاب تموز 1952. هذه المرة هي استفتاءٌ مغلفٌ بالإجراءات الشكلية للانتخابات، من أجل عدم إغضاب الغرب، والجميع يعلم ما يحدث من إجراءات غير قانونية، فربما تكون أكثر فجاجةً من عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، فهذه الأيام يتم جمع البطاقات الشخصية يوميا من مئات المواطنين البسطاء والموظفين في كل المحافظات، حتى يتم إجبارهم على الوجود في اللجان الانتخابية ومراكز الاقتراع في يوم الانتخابات، وأصحاب المقاهي والمحال التجارية يتم إجبارهم على تعليق لافتات التأييد والمبايعة. لا يوجد من يستطيع رفض البيعة الإجبارية، فترسانة القوانين المصرية العتيقة تكتظ بالبنود دعونا نعترف أن هناك قطاعاتٍ تستطيع التماهي مع الجلاد، وتتلذذ بالنفاق، ليسوا مستفيدين ولا فاسدين» التي تجعله يندم على ذلك، فالقوانين في مصر يتم تشريعها وتصاحبها ثغراتها المتعمدة، والتي تسمح بتمرير التجاوزات للمرضي عنهم، والتي تعرقل أي نشاطٍ شريفٍ في الوقت ذاته لكل المغضوب عليهم، عن طريق صياغات مطاطة ومبهمة وتعقيدات متعمدة. وعند تأسيس شركة أو مصنع أو محل لأي نشاط تجاري، فهناك عشرات وعشرات من الإجراءات المتداخلة والتعقيدات واللوائح العتيقة التي تفتح الباب أمام الموظفين الحكوميين، لفرض جباية ورشاوى إجبارية على متلقي الخدمة، فالموظف الحكومي هو المتحكم، وهو الآمر الناهي الذي يستطيع المنح والمنع. ولذلك يسهل إنشاء الشركات والمحال التجارية من خلال الأبواب الخلفية لدولة الموظفين المستقلة، كما يسهل الإغلاق والمنع من خلال الأبواب الخلفية نفسها لدولة الموظفين المستقلة. رفض صاحب المصنع أو مالك المنشأة التجارية تعليق لافتة تأييد ومبايعة للسيسي أمام المصنع أو المنشأة، يسبب إغلاقها بمنتهى السهولة، مهما كانت مطابقة للمواصفات ومستوفية للشروط، من خلال ادعاء أي مخالفاتٍ لاشتراطات الحريق أو الدفاع المدني أو وجود برامج كمبيوتر مقلدة، أو عدم وجود منافذ تهوية كافية، أو تصادف إلقاء مخلفات على الأرض. وقد تكون تلك المخالفات المزعومة مجرد ادعاءاتٍ من دون دليل، بغرض عقاب من تكاسل عن مبايعة الرئيس أو قد تكون هناك مخالفات طفيفة فعلياً، ولكن لا تقارن بمخالفات المؤيدين للنظام التي ترقى إلى حد الجرائم، ولكن يتم التغاضي عنها، فرأس المال جبان بالطبع، وهو ما يتم استغلاله.. تجد في طوابير الانتخابات آلاف الفقراء والمعدومين. ذهب بعضهم إلى مراكز الاقتراع من أجل الفوز بوجبة غذاء ومبلغ ضئيل، وتحرّك بعضهم خوفا من إيذاء ضباط الشرطة أو خوفا من تبليغ أحد المخبرين عنه أو خوفا من فقدان وظيفته لدى صاحب العمل المتحالف مع السلطة. هل تعلم أن من اعتدوا على المستشار هشام جنينة ومحاولة قتله هم من يعيشون على حد الكفاف، ويقيمون في منازل تشبه العشش الخاوية والخالية من أي مظاهر للحداثة، لكنهم لا يستطيعون رفض أوامر السلطة، بل حاول بعضهم قتل جنينة، وهو يعتقد أنه يقوم بواجب وطني. بالتأكيد لم يكن يعلم أن المستشار قاض سابق، وأقيل من منصبه رئيسا للجهاز المركزي للمحاسبات، بعد أن تحدث عن الفساد وإهدار أكثر من 60 مليار جنيه من أموال الدولة. هناك بالفعل نسبةٌ لا يستهان بها تبادر إلى دعم كل رئيس وكل مسؤول وتأييده، تجار، أعيان، «هناك نسبةٌ لا يستهان بها ممن يعتقدون فعليا أن بقاء الوضع السيئ هو الأفضل من الفوضى» أصحاب أعمال مستفيدون من الفساد والرشاوى، أصحاب أعمال يَرَوْن أن مصالحهم في ذلك الاستقرار المشوب بالفساد والاستبداد. وهناك أيضا نسبةٌ لا يستهان بها ممن يعتقدون فعليا أن بقاء الوضع السيئ هو الأفضل من الفوضى. وهناك كذلك نسبة لا يستهان بها تعتقد أن السيسي فعلا هو المنقذ، وهو الحامي من الإرهاب. وهناك نسبةُ لا يستهان بها راضيةٌ عن الوضع القائم أو مستفيدة منه، رجال أعمال (كبار أو صغار) تقوم أعمالهم على الفساد والرشاوى. هناك أيضا بلطجية الانتخابات وأصحاب السوابق الإجرامية الذين تربطهم علاقةٌ وثيقةٌ بالشرطة، وينفذون المهام القذرة، لكي يتم السماح لهم بعد ذلك بالعيش في أمان في حياتهم العشوائية التي تفتقد الحد الأدنى من الاستقرار والأمان والكرامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى