النسخة الرقمية

التربية الدينيّة للمراهقين

مرحلة المراهقة..هي مرحلة من مراحل النمو التي تُعرف بمشاكلها وعوائقها وصعوباتها في حياة الإنسان. وليس من اليسير تحديد بداية هذه المرحلة ونهايتها حيث تتأرجح بين الطفولة والرشد، فلا هي طفولة ولا هي رشد. وهذا إن دلّ على شيء فهو يدلّ على صعوبة هذه المرحلة ومدى دقّتها وحساسيّتها؛ لأنّ المراهق في هذه الأثناء يكون في حال الانفصال عن العلائق التي تربطه بحياة الطفولة من جهة، ونازعاً برغباته بشدّة نحو الاستقلال وحياة الكبار من جهة أخرى، لكنّه ليس هذا ولا ذاك تماماً. لذا، فإنّ هذه المرحلة تنطوي على جانب كبير من التصوّرات والرغبات، بحيث يرتبط قسم منها بحدود الطفولة، ويرسو قسم آخر منها عند دنيا الشباب،والمراهقة هي مرحلة بداية تحقّق النموّ والنضج الكمّي والنوعي عند الطفل، بشكل سريع ومتتابع، لذا تحتاج هذه المرحلة إلى رعاية خاصّة، ففي هذه المرحلة العمرية تبرز معظم المشاكل التربويّة والفكريّة والسلوكيّة، والأبناء فيها إمّا أن يتيهوا، وإمّا أن يسيروا في الطريق الصحيح نحو الكمال والرفعة الإنسانيّة..ولا يمكن حصر مرحلة المراهقة بسنوات معيّنة؛ لأنّها تختلف باختلاف الأشخاص والمجتمعات. ويمكن تحديد بدايتها بشكل عامّ؛ بعدّها تتزامن مع البلوغ الجنسيّ، ولكن، بحسب اختلاف الظروف الثقافيّة والمناخيّة من مجتمع إلى آخر يتعذّر تحديد بداية ونهاية واحدة لهذه المرحلة في جميع المجتمعات. كما، وأنّه يوجد اختلاف بين العلماء على العلاقة التي تربط المراهقة بالبلوغ، فالبعض يصف المراهقة والبلوغ بمعنى واحد، ويستخدمهما بعدّهما مترادفين، والبعض الآخر يعتبر البلوغ أوسع وأعمّ من المراهقة ويذهب إلى أنّه يشمل مرحلة الشباب ـ أيضاً. وبذلك تشتمل المراهقة عنده على مساحة محدودة من دائرة البلوغ الواسعة. ويعتقد هؤلاء أنّ البلوغ الكامل يحصل في سِنِي الشباب..فالتربية هي تعهّد نمو الشيء مرحلة بعد مرحلة حتى يبلغ تمام نموّه وكماله. والتربية الدينيّة السليمة فقط، يمكنها أن تُنجي المراهق من اللامبالاة والضياع والحيرة التي تفرضها مرحلة المراهقة، وأن تُقدِّم فلسفةً واضحةً لحياته، وأجوبةً شافيةً عن أسئلته الأساس، وتُرشده إلى كيفية تلبية حاجاته العاطفيّة بالطرق الصحيحة والشرعية. فهو في ظلِّ هذه التربية، يعثر على مكانته الأصليّة في عالم الخَلق، ويطّلع على شخصيّته الحقيقية ويعتزّ بها، ولا يخضع لذُلِّ الذنوب والمعاصي.بالإضافة إلى أنّ إحراز الإيمان الدينيّ، يُساعد المراهق على الوصول إلى السكينة الروحيّة التي هي من حاجات هذه المرحلة وضروريّاتها، ويُسكِّن من اضطراباته.ويقع أساس التربية الدينيّة والأخلاقيّة للمراهقين على عاتق الأسرة. فلا بدّ للأسرة من أن تهتمّ بتثبيت العقائد الصحيحة في ذهن المراهق قبل أن يمتلئ بالعقائد المنحرفة والباطلة، إذ يقول الإمام الصادق عليه السلام: «بادروا أحداثَكُم بالحديث قبل أن يسبِقكم إليهم المرجئة»وعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «لمّا نزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ قال النّاس: كيف نقي أنفسنا وأهلينا. قال أي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: اعملوا الخير، وذكّروا به أهليكم، وأدّبوهم على طاعة الله»..فلا ينبغي للأمّ والأب أن يتركا ابنهما المراهق وحيداً في ما يتعلّق بمعالجة المسائل الفِكريّة الخاصّة بمرحلة المراهقة، وإيجاد الأجوبة على الأسئلة الأساس، بل ينبغي لهما أن يساعداه بأسلوب منطقيّ على معالجة مسائله.وعندما يكون الأب والأمّ نفسهما من أهل الإيمان والعلم، فهما يُنوّران ذِهن ولدهما بالمعارف الضروريّة من خلال تعريفه على العقائد السليمة، والمعارف الحقّة والتباحث معه ومناقشته بشأنها. فإن كانا لا يملكان المقدرة واللياقة الكافيتين للقيام بهذا العمل، فمن الأفضل أن يُوكلا هذه المهمّة إلى شخصٍ يكون موضعَ ثقةٍ وعارفاً بالمسائل الفكريّة والاعتقاديّة؛ لينهل منه الابنُ المراهق الأجوبةَ الشافية على أسئلته. ولا ينبغي أن يُترك الأبناء من دون الإجابة على أسئلتهم المحقّة..إنّ النضوج العقلي للمراهق يدفعه إلى التفكير بجدّيّة في العالم المحيط به؛ بقصد تحصيل المعرفة التي هو بأمسّ الحاجة إليها. فتفكير المراهق ليس محصوراً بأمور الدنيا، بل يشمل المسائل الدينيّة التي تلحّ على عقله، وتطلب منه تفسيراً واقعياً عن التوحيد والخالق، والغاية من خلق الإنسان، وأصل النشأة الإنسانيّة وكيفيّتها، وقضايا البعث والحساب والجنّة والنار، وغيرها من المباحث الدينيّة،ولا بدّ للشابّ المؤمن أيضاً أن يتعلّم العلوم العصريّة إلى جانب العلوم الدينية، وأن لا يكون أمّيّاً بها. فتعلّم العلوم العصريّة، إضافة إلى أنّه يساعد على تفتّح الاستعدادات، يساعد أيضاً على تنمية القوى العقليّة، وتجزئة القضايا وتحليلها بنحوٍ أفضل، ويمنع الشَّاب من السُّقوط في وادي الجهل والخرافات،ومن الأمور التي تؤثِّر في تقوية الإيمان: العبادة والدعاء. فعندما يكون الشاب في صدد تربية نفسه إسلاميّاً، يجدر به أن يُولي العبادة والدعاء أهمّيّة خاصّة، وأن يُخصّص ساعة لنفسه في الليل والنهار؛ لكي يناجي فيها ربّه، ويجلي قلبه ويصفّيه،فالصلاة التي هي عبارة عن ارتباط الإنسان قلبيّاً بخالِقه، تساهم بدورٍ بنّاء في التربية الروحيّة والأخلاقيّة للمراهق، حيث إنّ المراهقين الذين يُصلّون، يحرزون أساساً روحيّاً ومعنويّاً وقيميّاً. المراهقون المصلّون عندما تصدر منهم الزّلّات والهفوات، وبسبب علاقتهم بالصلاة، يُمكنهم بسهولة أن يتراجعوا عن هفواتهم وأن يُطهِّروا أنفسهم،ويفتَرض بالأُسَر أن تنظر إلى أبنائها خلال مرحلة المراهقة من زاوية أخرى تختلف عن نظرة سني الطفولة لديهم، والتعامل معهم على أساس التغييرات والتطوّرات الجديدة الحاصلة في شخصيّتهم. فالطريقة السائدة عند الأهل في التعامل مع المراهق أن ينظروا إلى القضايا من منظارهم الخاصّ بهم، وأن يحاكموهم على أساس هذه النظرة. في حين أنّ الطريقة التربويّة الصحيحة تقتضي أن يضع المربيّ نفسه مكان المراهق ويحاول أن يرى الأمور من منظاره ومقياسه. وهذه العمليّة ليست سهلة، ولكنّها في الوقت ذاته ليست مستحيلة، وتحتاج إلى بذل مزيد من الاهتمام والعناية بالمراهق؛ لبلوغ الهدف،ويجب على الوالدين أن يملأا أوقات فراغ أبنائهما المراهقين بالبرامج التربويّة المناسبة، ومن جملتها: البرامج الرياضية. في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «إنّ الله يُبغض كثرة النوم وكثرة الفراغ»، وإنّ يعمدوا إلى تمضية بعض الوقت معهم في الليل أو النهار؛ وأن ينفّذوا معاً برامج مشتركة قدر الإمكان؛ كقراءة حديث من نهج البلاغة، وتفسير آيةٍ من القرآن، ونقْل ذكرى جميلةٍ من مراحل الحياة، وغيرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى