النسخة الرقمية

مت قاعد

مهدي عزيز

«مت قاعداً أو تقاعس عن الحياة ومت بعيداً عنا»، هذا ما نطق به وجدان الدوائر الحكومية بوجه الذين خدموا الوطن على مدى سنوات العمر الموجع، الذي انقضى بكامل السم والتهميش والحرمان بين أنظمة مستهترة تعاقبت وعاقبت كل من وقف في وجه الحياة من أجل هذا البلد بكل ما أوتوا من خراب.
وبحسب رأي مختص في الموسيقى فإن مقياس هبوط الفن في زماننا هذا هو أن (إليسا) تسمى فنانة! وبعيداً عن الفن وهبوطه وقريباً من شباك موظفة هيئة التقاعد الذي وصلت له وحالي كديك رومي خارج من حلبة مراهنة، وصلت وعقلي منتوف من كتب صحات الصدور وساعات الجلوس والانتظار وتدافع المتقاعدين واعتراضاتهم التي لا تنتهي، وهي تسمع «دي مش معاملة تعامليني فيها» بصوت إليسا العاري جداً، جاوبتني الدجاجة، عفواً الموظفة، تفضل «شعندك فضنه»! وأنا بين الصدمة والذهول أجبت «وهل هذه معاملة تعامليني فيها، تقبل إليسا»؟! وكما توقعت فشلت في خلق ابتسامة على محياها الجامح. وبعد ابرازي هوية والدي المتقاعد المتوفى الذي تذوقت كل أنواع الذل والهوان بعده، نادت الموظفة على موظف الأضابير من أجل جلب إضبارة والدي. وبعد كم لا يستهان به من الأسئلة رجع الموظف ويداه خاليتان، وقال «اضبارتك ضايعة»! قالها بكل استرخاء وتلقائية، وكأن شياً لم يحدث. باسترخاء أكبر قالت الموظفة «راجعنا الأسبوع القادم، عسى أن نعثر عليها وسط الأضابير المنتشرة في الغرف والممرات، أو سنتخذ أجراءات اخرى»!
قد لا تصدقوني إن قلت أن المعاملة في هيئة التقاعد الوطنية تأخذ سنين من المراجعة، لتُنجز لكن من دخل دار أبي سفيان يعرف مرارة ما أكتب. وأعتقد لأنها وطنية حالها حال الكهرباء الوطنية والأحزاب الوطنية والشعارات الوطنية وووو … ، حتى صارت الوطنية استيطاناً للشعب وسلبه وتجريده وطرده من كل مايعنيه في وطنه!
وحتى أكون منصفاً، يوجد موظفون تقف أمامهم الكلمات خجلاً وحياءً ازاء تحملهم وتعاطيهم وروحيتهم في تقبل هذا الكم العظيم من المراجعين المتقاعدين وبشكل يومي، وبكل ود وتقبل واخلاص، لكن المصيبة أن جهودهم مصادرة وضائعة في ظل هذا الخراب المتراكم. كل مراجعة لدائرة التقاعد هي رحلة ومغامرة طرزانية بالنسبة لي، مشاهداتي أكبر من ذاكرتي، قصص وعناوين وروايات وأحداث تبدأ ولا تنتهي، لا أعرف كيف حدث كل هذا في العراق وخلال سنوات معدودة. الصراحة، الأحداث أكثر من الأيام في العراق، التقاعد نهاية الوظيفة ولكنه نهاية العمر في هيئة التقاعد الوطنية، ففي سلالمها فقط ينتهي العمر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى